الدرس القاسي: السند لا يُهان شروق خالد

لمحة نيوز

دي عيلتي الوحيدة. أما إنتوا، ف استمتعوا بحياتكم.. بالشكل اللي تستحقوه فعلاً.
من يومها، موبايلي على الصامت، وبدأت أجهز أوضة البيبي في هدوء، ومي لأول مرة من سنين.. عرفت تاكل وهي مرتاحة، ومن غير ما حد يقول لها قومي كملي في الحمام.
بعد أسبوع بالظبط، بدأت النتايج تظهر.
سلمى اتصلت وهي بتعيط، مش عشان ندمانة، لكن عشان هاني جوزها اتخانق معاها لما عرف إن الدلع خلص. هاني موظف بسيط، وعمره ما شال هم إيجار ولا قسط عربية، وفجأة لقى نفسه مطالب يدفع 15 ألف جنيه إيجار في الشهر لمكان تاني، أو يشتري الشقة بملايين.
سلمى قالت لي في التليفون إنت عايز تخرب بيتي؟ هاني بيقولي لو أخوكي مراجعش نفسه أنا مش هقدر أكمل في العيشة دي!
رديت عليها بمنتهى الثبات والله يا سلمى، اللي بيته من إزاز ميحدفش الناس بالطوب. إنتي وجوزك كنتوا عايشين ملك بفلوسي، وفي الآخر هنتي مراتي في ليلتك المميزة. خلي هاني يثبت إنه راجل ويشيلك، زي ما أنا شايل مراتي.
أما أمي، فبعتت لي خالتي عشان تضغط عليا.
خالتي جت البيت وقعدت تقول يا طارق يا بني، دي أمك، مهما حصل هي اللي ربتك. وبعدين دي كلمة وطلعت منها في وقت نرفزة.
بصيت لخالتي وقلت لها يا خالتي، أمي ربتني بفلوس الشغل في المطاعم، وأنا رديت لها الجميل بيت ملك وعيشة ملوكي وسددت ديونها كلها. لكن إنها تهين
مراتي اللي شايلة ابني في بطنها، وتطلب منها تاكل في الحمام؟ دي مش نرفزة، ده كبر وقسوة قلب. البيت هيفضل باسمي، وهتدفع إيجار، عشان تعرف إن اللقمة اللي كانت بتوصل لها بالساهل دي كان وراها راجل هي مهنتوش بس، دي هانت عرضه.
المفاجأة كانت في يوم الولادة.
مي ولدت بالسلامة، وجبنا ياسين.
أمي وسلمى جم المستشفى، بس المرة دي دخلوا وهما باصين في الأرض. مكنش في لا تريقة على لبس ولا انتقاد لطريقة كلام.
أمي حاولت تقرب من مي وتقول لها حمد الله على سلامتك يا بنتي، يتربى في عزكم.
مي بصت لها بابتسامة هاديةنفس الابتسامة اللي كانت بتقابل بيها إهانتهم زمانوقالت لها الله يسلمك يا طنط. تحبي تشيلي ياسين؟ بس خلي بالك، لو عيط ولا عمل دوشة، مش هنطلعه الحمام.. هنستحمله عشان بنحبه.
الكلمة نزلت على أمي زي الصاعقة. وشها جاب ألوان، وعرفت إن الوجع اللي سببته لمي مش هيتنسى بسهولة، وإن طارق القديم اللي كان بيدفع وهو ساكت مات يوم العشا داك.
أنا مخرجتش أمي من البيت في الآخر، ومخدتش منها إيجار فعلي، بس خليت المحامي يبعت لها إنذار كل شهر عشان تفضل فاكرة إن قعدتها في البيت ده بمزاجي مش حق مكتسب. وسلمى نقلت في شقة أصغر بكتير، وبدأت تتعلم إزاي تطبخ وتدبر بيتها بدل الخروجات اللي كانت على حسايي.
دلوقتي، لما بنجتمع في العيد أو المناسبات، الكل
بيعمل ل مي ألف حساب. مش خوفاً مني بس، لكن عشان عرفوا إن اللي بيجي على مراتي بيخسر سنده.
وعرفت وقتها إن أحياناً، عشان تحمي بيتك الصغير، لازم تهز أركان بيتك القديم شوية.
بعد كام شهر، هاني جوز سلمى جالي المكتب. كان باين عليه الهم، قعد قدامي وطلب قهوة وهو مش قادر يحط عينه في عيني.
قال لي طارق، أنا عارف إن سلمى غلطت، بس أنا ذنبي إيه؟ أنا مش ملاحق على مصاريف الشقة الجديدة، والديون بدأت تكتر عليا، وسلمى مش متعودة على العيشة دي وكل يوم خناق.
بصيت له وقلت له يا هاني، أنا مش عدوك. أنا كنت فاتح لك بيتي وعربيتی ومحفظتي، وإنت كنت قاعد بتتفرج ومراتك بتهين مراتي. إنت لو كنت وقفت سلمى عند حدها ليلتها وقلت لها عيب، كنت أنا أول واحد هشيلك فوق راسي. لكن إنت سكت، والسكوت على الغلط موافقة.
سكت شوية وكملت أنا مش هرجعكم الشقة القديمة، لكن هساعدك في حاجة واحدة.. أنا عندي شغل زيادة في الشركة، لو حابب تيجي تشتغل وردية تانية بعد ضهرك، بمرتب كويس يغطي ديونك، أنا موافق. بس بشرط.. سلمى ملمحهاش عندي في البيت من غير إذن مي، ومسمعش إنها فتحت بؤها بكلمة تانية عن حياتنا.
هاني وافق فوراً، ومن يومها وهو شغال زي الساعة، وبقى يقدر قيمة القرش لأنه بيتعب فيه، وسلمى بدأت تنزل أرض الواقع وتعرف إن أخوها مش بنك متحرك، ده بني آدم ليه مشاعر
وكرامة.
أما بالنسبة لأمي..
في يوم جمعة، كنت عندها في البيت لوحدي. قعدت جنبي وقالت لي بصوت واطي إنت قسيت عليا قوي يا طارق.. بقى بتبعوني لبعض بالمحامي والإنذارات؟
قلت لها يا أمي، إنتي اللي علمتيني إن اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه. إنتي كنتي عايزة تكسري مي عشان تحسي بإنك لسه ليكي السيطرة. أنا بس ورّيتك إن السيطرة دي كانت وهم، وإن الحاجة الوحيدة اللي كانت رابطانا ببعض هي الحب.. ولما الحب اتهز، مابقاش فاضل غير العقود والورق.
دمعت وقالت أنا كنت فاكرة إنها مش هتحافظ عليك زيي.
رديت عليها مي حافظت عليا في أكتر وقت كنت فيه محتاج سكن نفسي، مش سكن حيطان. مي استحملتكم سنين عشان خاطري، وده دين في رقبتي لازم أسده.
النهاية..
ياسين كبر وبقى عنده سنة. وفي عيد ميلاده، عملنا حفلة كبيرة في جنينة بيتي.
أمي كانت قاعدة بتلعب معاه، وسلمى كانت واقفة بتساعد مي في تقديم الأكل بجد، مش تمثيل.
الكل كان بيتعامل بأدب، مش عشان خايفين من الفلوس، لكن عشان عرفوا إن مي هي الخط الأحمر اللي لو حد عداه، طارق مش هيسمي عليه.
البيت دلوقتي بقى هادي.. مش عشان المشاكل خلصت، لكن عشان كل واحد عرف مقامه وحجمه.
ومراتي بقت بتدخل أي مكان وهي رافعة راسها، وعارفة إن لو العالم كله قال لها كلي في الحمام، أنا هبني لها قصر عشان تاكل فيه لوحدها ملكة.
الدرس
القاسي السند لا يُهان
شروق خالد

تم نسخ الرابط