دموع في حضرة الجحيم** شروق خالد

لمحة نيوز

سعاد لقت رجلين ليلى بتترفع عن الأرض سنتيمترات، وبقت عايمة في الهوا وهي بتقرب منها. سعاد لفت وشها عشان تجري على باب الشقة، لقت المفتاح بيلف لوحده في القفل ويختفي!
ليلى همست ماتحاوليش.. هو قفل الأبواب كلها.
فجأة، سعاد حست بإيدين خفية بتشدها من رجليها وتجرها على الأرض بقوة ناحية المطبخ. كانت بتصرخ وبتخربش في السيراميك لحد ما ضوافرها نزفت، لكن مفيش فايدة.
دخلت المطبخ، والبوتاجاز ولع لوحده، والنار بقت زرقاء وعالية. ليلى وقفت وراها وقالت بصوت متبدل تماماً كنتِ بتحرقي إيد ليلى بالمعلقة عشان بتكسر طبق؟ طب جربي النار دي.
سعاد كانت بتترعش وهي شايفة المعالق والسكاكين بتطير في الهوا وبتحوطها كأنها دايرة من نار. ليلى قربت منها وهمست في ودنها هو مش هيقتلك دلوقتي.. هو عايز يتسلى بيكي كل يوم لحد ما تروحي للي خلقك وانتي عقلك طاير.
من اللحظة دي، الجيران بقوا بيسمعوا أصوات صراخ مكتوم وجري في الشقة طول النهار، ولما الأب يرجع يلاقي سعاد قاعدة في المطبخ، وشها شاحب، وشعرها بيقع خصل خصل، وبتبص للفراغ وهي بتكلم نفسها.
ولما يسأل ليلى مالها طنط سعاد؟
ليلى ترد ببراءة وهي بتبوس إيد أبوها تعبانة شوية يا بابا.. شكلها شافت عفريت!
وفي ركن الضلمة اللي ورا ليلى، كان دايماً فيه خيال طويل، عينيه حمراء زي الجمر، بيبص لسعاد وبيضحك ضحكة مكتومة مابتسمعهاش غير هي.
مرت الأيام والبيت اتحول لقبر، ريحة كبريت وعفن بقت تملا المكان، ومحمد بدأ يحس إن في حاجة غلط.
. مابقاش بس كلام سعاد، بقى يشوف خيالات بتعدي من قدامه، ويسمع صوت حد بيمشي وراه في الشقة ولما يلف مالاقيش حد.
في ليلة غبرة، محمد كان نايم، صحي على صوت نفس تقيل أوي جنبه.. بص ناحية سعاد لقاها صاحية، عينيها مبرقة للسقف وبترغي بكلام مش مفهوم ووشها غرقان عرق.
محمد مسكها بهستيريا سعاد! انطقي في إيه؟ البيت ماله؟
سعاد بصتله بضحكة جنان وقالت هو وراك يا محمد.. هو بيحبك عشان إنت اللي جبتني هنا عشان يخلص حقه مني.. بص وراك!
محمد لف رقبته ببطء، شاف ليلى واقفة في ركن الأوضة، بس ماكانتش ليلى.. كانت طويلة بشكل مرعب، ورقبتها ملوية، والراجل اللي ضله كان بيظهر وراها بقى دلوقتي لابسها تماماً، ملامحه طالعة من وشها.
الخيال الأسود مد إيده الطويلة ولمس وش محمد، في اللحظة دي محمد عقله طار.. شاف كل وجع بنته وكل دمعة نزلت منها في الحمام، وشاف العاشق وهو بيتوعدله إنه ساب بنته تتهان.
من اللحظة دي، البيت اتقلب ل مستشفى مجانين.
الجيران بقوا يشوفوا محمد واقف في البلكونة في نص الليل، ماسك مقشة وبيكلم الفراغ وبيعتذر لصور بنته اللي مش موجودة، وبيقول أنا أسف يا ليلى.. خليه يشيل إيده من على رقبتي.. أنا أسف!
أما سعاد، فبقت تقعد في الحمام بالسنوات، ترفض تخرج، وتكب مية على نفسها وهي بتصوت مش أنا اللي ضربتها! هو اللي خلاني أعمل كدة! هو اللي بيقرصني دلوقتي!
دخل عليهم حد من قرايبهم في يوم، لقى المنظر اللي يوقف القلب
سعاد ومحمد قاعدين في الصالة، بياكلوا في
هدومهم وبيكلموا نفسهم بأصوات غريبة، وعينيهم بيضاء تماماً كأنهم عميوا.. وليلى قاعدة وسطهم، ماسكة عروسة مقطوعة الراس، وبتحكي لها حدوتة بصوت هادي وجميل، والبيت كله بيتهز من ضحكات مكتومة جاية من الحيطان.
ليلى بصت لقريبهم ده وابتسمت وقالت بابا وطنط سعاد بقوا بيلعبوا معايا طول الوقت.. مش عايزين يخرجوا من البيت خالص.. تحب تلعب معانا؟
القريب جرى وهو بيصوت، ومن يومها البيت اتقفل عليهم، ومحدش بقى يسمع غير صوت اتنين مجانين بيكلموا نفسهم، وصوت طفلة بتغني في الضلمة ومعاها حارسها اللي مابيفارقهاش.
مرت الشهور والبيت بقى عبارة عن خرابة مهجورة من الخارج، لكن من جوه كانت الجحيم بعينه. الأب محمد اللي كان في يوم من الأيام راجل بكامل هيبته، بقى يزحف على ركبه في الطرقة، شعره شاب تماماً وبقى يشد في جلده لحد ما ينزف وهو بيهمس هي فين؟ البنت راحت فين؟ أنا سامع صوت عياطها في الحيطان.. ليلى! ردي عليا يا بنتي!
وفجأة يسمع رد مش من ليلى، يسمع صوت خبط رزيين من جوه الحيطة، وصوت ضحكة رجالي غليظة بترج المكان، تخلي محمد يلطم على وشه ويقول خلاص.. تبت.. والله تبت.. سيبني أخرج من هنا!
أما سعاد، فحالها كان يصعب على الكافر. بقت محبوسة في الحمام اللي ليلى كانت بتبكي فيه. كانت بتشوف ليلى في كل مراية، بس مش ليلى الطفلة، كانت بتشوف ليلى وهي بتموت من الضحك وعينيها بتطلع منها نار. سعاد بقت تاكل الصابون وتشرب المية الملوثة وهي بتكلم نفسها أنا مكنتش بضربها جامد.
. هي اللي كانت بتدلع.. يارب شيله من عليا.. يارب الكائن اللي نايم جنبي ده يقوم!
في ليلة، الأب وسعاد اتقابلوا في الصالة وهما بيترعشوا. بصوا لبعض، ومكنوش عارفين بعض من كتر ما ملامحهم اتغيرت من الرعب والجوع والجنون.
محمد بكلم نفسه إنتِ مين؟ إنتِ اللي قتلتِ بنتي؟
سعاد بضحكة هستيرية بنتك؟ بنتك بقت هي اللي ماشية البيت.. بص فوقك يا محمد!
محمد رفع عينه للسقف، شاف ليلى ماشية على السقف بالمقلوب، شعرها نازل لتحت كأنه تعابين، والجن العاشق متمثل في صورة ضل ضخم وراها، كأنه شايلها.
ليلى بصت لهم وقالت بنبرة خالية من أي رحمة بابا.. طنط سعاد.. إنتوا لسه عايشين؟ هو بيقولي إن لحمكم بقى مر من كتر الخوف.. بس هو لسه جعان.
فجأة، الأب وسعاد بدأوا يضربوا في بعض بهستيريا، كل واحد فيهم شايف التاني في صورة شيطان. سعاد بتخنق محمد ومحمد بيضرب راس سعاد في الأرض، وهما بيصرخوا بأصوات مابقتش بشرية، وليلى قاعدة تتفرج وهي بتهز رجلها وتغني أغنية قديمة كانت أمها بتغنيهالها.
انتهى المشهد بجيران سمعوا صوت صرخة واحدة طويلة هزت العمارة كلها، وبعدها سكت كل شيء. لما البوليس كسر الباب، لقوا محمد وسعاد ميتين وهما حاضنين بعض من الرعب، وعينيهم مفتوحة على آخرها لدرجة إنها جحظت، لكن ليلى مكنش ليها أي أثر.
البيت اتقفل بالشمع الأحمر، بس لحد النهاردة، اللي بيمشي قدام باب الشقة في نص الليل، بيسمع صوت اتنين بيكلموا نفسهم وبيستغيثوا، وصوت بنت صغيرة بتضحك وبتقول نمتي يا
طنط سعاد؟
دموع في حضرة الجحيم
شروق خالد

تم نسخ الرابط