لعنة السلسلة المصدية شروق خالد
لمحت ورقة مطوية تحت المخدة، فتحتها بإيد بتترعش، لقت مكتوب فيها جملة واحدة بالدم:
**"أمي ما سابتناش ومشيت يا شروق.. أمي سابتني عشان أرجع آخد حقها."**
في اللحظة دي، النور قطع في القصر كله، وسمعت صوت باب المكتب بيتفتح ببطء.. رغم إنها كانت متأكدة إنها قفلته بالمفتاح!
الظلمة في الأوضة بقت كأنها حيطة سد، وشروق كانت سامعة صوت أنفاسها وهي بتعلو وتوطى كأنها بتنازع. صوت تزييق باب المكتب وهو بيتفتح كان بيخترق ودنها زي صرخة مكتومة. حاولت تقوم، رجليها اللي لسه راجعة لها كانت تقيلة، كأن الأرض بتشدها لتحت.
"مين هناك؟" صرخت بصوت مشروخ، وهي بتمد إيدها تدور على أي حاجة تدافع بيها عن نفسها.
فجأة، النور اشتغل وطفى بسرعة، "فلاش" خطف عينيها، وفي اللحظة دي شافت "خيال" الست نادية واقفة في ركن الأوضة، كانت لابسة نفس لبس الخدم اللي كانت لابساه يوم الحريقة، بس هدومها كانت مهلهلة ومحروقة، وعينيها كانت عبارة عن تجويف أسود مخيف.
شروق تراجعت لورا لدرجة إن ضهرها لزق في الحيطة، وفجأة حست بحاجة باردة بتلمس رقبتها. نزلت عينيها لقت السلسلة المصدية اللي كانت في إيدها، دلوقتي بقت "مربوطة" حوالين رقبتها وبتتخنق عليها لوحدها!
"ارحميني يا نادية.. ارحميني!" بدأت شروق تشهق وهي بتحاول تفك السلسلة من رقبتها، بس السلسلة كانت بتضيق أكتر وأكتر.
في اللحظة دي،
الولد همس ببرود: "الصور مابتكدبش.. والذكريات مابتتحرقش. إنتي كنتِ فاكرة إنك لما تحرقي البيت وتخفينا، السر هيموت؟"
شروق بدأت تشوف الدنيا بتسود قدام عينيها، وفجأة السلسلة اتفكت من رقبتها ووقعت على الأرض. وقعت شروق على ركبتها وهي بتكح وبتنهج، وبصت للولد برعب: "إنت عايز إيه؟ قولي طلباتك!"
الولد وطى لمستواها، وبص في عينيها وقال بابتسامة تقبض القلب: "مش عايز حاجة.. أنا بس جيت أفتح لك الباب. الحساب مش عندي، الحساب عند الناس اللي إنتي ظلمتيهم طول السنين دي."
فجأة، سمعت شروق صوت خبط عنيف على باب القصر البراني، وصوت ناس كتير بتصرخ باسمها. بصت من الشباك، لقت "أهالي العزبة" كلهم واقفين بره، وماسكين في إيديهم عقود أرض، وصور لبيوتهم اللي شروق استولت عليها بالظلم، وكانوا بيحاولوا يكسروا البوابة.
الولد بص لها وقال جملته الأخيرة قبل ما يختفي كأنه دخان: "دلوقتي رجليكي سليمة.. وريني هتهربي منهم إزاي يا شروق هانم."
شروق بصت وراها مالقتش نادية ولا لقيت الولد، ملقيتش غير السلسلة المصدية والورقة اللي بالدم. وصوت تكسير بوابة
شروق وقفت على رجليها، وبصت للأبواب اللي بتتكسر، وعرفت إنها فعلاً بقيت حرة في جسمها، بس سجانها الحقيقي بقى بره القصر، ومستني ياخد حقه تالت ومتلت.
شروق كانت واقفة ورا إزاز الشباك، جسمها كله بيترعش وهي شايفة سيل البشر اللي كسروا البوابة وبقوا في قلب الساحة. الناس اللي كانت بتديهم ضهرها وتدوس عليهم بعربيتها الفخمة، بقوا دلوقتي هما اللي بيحاصروها.
"يا شروق يا خاينة! اطلعي وواجهينا!".. الأصوات كانت بتهز حيطان القصر.
شروق لفت بوشها وهي مرعوبة، بتحاول تلاقي مخرج، بس القصر اللي كان حصنها بقى فجأة زي القبر. الممرات اللي كانت واسعة وبتلمع، بقت ضلمة وتخوف. وهي بتجري في الطرقات، رجليها اللي لسه راجعة لها كانت بتخونها، كأن الأرض بتميل بيها.
وفجأة، لمحت خيال الولد الصغير واقف في آخر الممر، بيشاور لها على "باب السرداب" القديم اللي تحت المطبخ. شروق ما فكرتش مرتين، جريت ناحية السرداب وهي بتنهج، فتحت الباب ونزلت السلالم الضيقة وهي بتتكعبل في فستانها.
تحت في الضلمة، كانت ريحة التراب والكمكمة تكتّم النفس. شروق ولعت كشاف موبايلها وهي بتبكي: "أنا لازم أهرب.. لازم أخرج من هنا."
وهي بتمشي في السرداب، الكشاف خبط في حاجة خلتها تصرخ وتتسمر مكانها. في ركن السرداب، كان فيه "هيكل
"نادية؟" همست شروق وهي حاسة إن روحها بتطلع، "إنتي كنتِ هنا؟ طول السنين دي كنتِ تحت رجلي وأنا مش عارفة؟"
في اللحظة دي، سمعت صوت قفل السرداب وهو بيترزع من فوق. الولد كان باصص لها من فتحة الباب الصغيرة فوق، وعينيه بتلمع ببرود مخيف.
* "إنتي اللي اخترتي السجن ده من اتناشر سنة يا شروق هانم.. لما دفنتي السر هنا."
شروق بدأت تخبط على الباب بكل قوتها: "افتح لي! هيدبحوني بره! خد الفلوس، خد القصر، بس طلعني!"
الولد رد بصوت هادي وهو بيبعد عن الباب: "الفلوس بره الناس بتاكلها.. والقصر ولعوا فيه خلاص. إنتي دلوقتي مع صاحبتك.. مش كنتِ بتقولي إنها أغلى خادمة عندك؟ اشبعوا ببعض."
بدأت ريحة الدخان تتسرب للسرداب، وصوت النار وهي بتاكل في خشب القصر فوق كان مسموع ومرعب. شروق وقعت جنب الهيكل العظمي، وضمت السلسلة المصدية لصدرها وهي بتعيط بهستيريا.
فجأة، حست بإيد باردة "جداً" بتلمس كتفها، وصوت نادية الناعم اللي كانت بتسمعه زمان همس في ودنها: "ما تخافيش يا شروق.. المرة دي مش هسيبك تمشي لوحدك."
شروق غمضت عينيها وهي شايفة النار بتنور السرداب من كل ناحية، وعرفت إن الهروب من الماضي كان وهم، وإن رجليها اللي شالوها النهاردة، شالوها بس عشان يوصلوها لمحطتها الأخيرة.
**تمت.**
لعنة
شروق خالد