​لعنة السلسلة المصدية شروق خالد

لمحة نيوز

## **لعنة السلسلة المصدية**
كانت الساحة غرقانة في صمت مخيف، صمت يخلي شعر الإيد يقف، كأن الهوا اتجمد وفيه سكين مستنية تقطعه. وسط الحراسة والخدم، ظهر طفل غامض، عينيه فيها حزن سنين أكبر من سنه بكتير. وبكل جراءة، كسر الهيبة وقرب من "شروق هانم" وهي قاعدة على كرسيها المتحرك، الكرسي اللي كان سجنها الذهبي لسنين.
بمجرد ما لمست إيديه الصغيرة رجليها، الهوا اتكهرب. الكل كتم نفسه وهو بيشوف الطفل بيدلك رجليها بحركات "مريبة" ودقيقة، كأنه بيحيي عروق ميتة. وفجأة، الصرخة اللي هزت القصر ما كانتش صرخة وجع، كانت صرخة رعب من إحساس رجع بعد ما مات من اتناشر سنة!
السر مش في اللمسة، السر في "الكلمة" اللي همس بيها الولد وخلت شروق تحس إن الأرض بتلف بيها.. كلمة فتحت أبواب جحيم من الماضي، وخلت الكل يسأل: **الطفل ده ابن مين؟ وإيه اللي جابه بالسلسلة اللي المفروض إنها مدفونة في قاع البحر؟**
شروق كانت واقفة ورجليها بتخبط في بعضها، مش من الشلل، لكن من الصدمة. السلسلة المصدية في إيد الطفل كانت بتلمع تحت ضوء الشمس كأنها بتفكرها بكل ليلة حاولت فيها تنسى ذنبها القديم.
"إنت مين؟" سألت بصوت مخنوق، وهي بتحاول تقرب منه. "الخادمة اللي كانت عندي.. هي اللي بعتتك؟"
الولد ما ردش، بص للسلسلة وبص لها، وضحكة باهتة اترسمت على وشه: "الخادمة ماتت يا شروق هانم.. ماتت وهي بتدعي عليكي، بس سابت لي الأمانة دي عشان أرجعها لأصحابها."
الحراس بدأوا يقربوا، بس شروق شاورتلهم يرجعوا لورا بصريخ: "سيبوه! محدش

يلمسه!"
قربت من الولد لدرجة إنها بقت شايفة تفاصيل الوجع في عينيه. "هي اللي علمتك إزاي ترجع الروح لرجليا؟"
الولد هز رأسه بالنفي: "لا، الوجع هو اللي علمني. الوجع اللي عيشناه من يوم ما طردتينا في عز البرد عشان خايفة على سرك. أنا مش جاي أعالج رجليكي يا هانم، أنا جيت أفكرك إن فيه ديون مابتتسدش بالفلوس."
شروق حست ببرودة السلسلة وهي بتلمس كف إيدها لما الولد سابها فيها. "عايز إيه؟" همست بخوف.
الولد لف ضهره وبدأ يمشي وسط الذهول اللي مالي المكان، وقبل ما يختفي وسط الزحمة، وقف وبص وراه: "عايزك تمشي يا شروق هانم.. أمشي وشوفي الدنيا اللي كنتِ حارمة نفسك منها وأنا مشلول في مكاني بسببك. دلوقتي إنتي حرة في جسمك، بس سجينك هو قلبك."
سابها واقفة في وسط الساحة، لأول مرة من اتناشر سنة واقفة على رجليها، بس حاسة إنها أضعف من أي وقت فات. السلسلة في إيدها كانت أتقل من جبال، والسر اللي افتكرت إن البحر بلعه، رجع تاني عشان يطاردها في عز النهار.

شروق فضلت واقفة مكانها، مذهولة، والناس والخدم حواليها عيونهم هتطلع من مكانها. "الهانم مشيت! الهانم وقفت على رجليها!".. كانت الزغاريد والهمسات مالية المكان، بس شروق ما كانتش سامعة حاجة غير صوت دقات قلبها اللي كانت بتضرب في ودنها زي الطبول.
بصت في كف إيدها على السلسلة المصدية، ولمست الفص الصغير اللي فيها.. نفس السلسلة اللي "نادية" الخادمة كانت بتلبسها وما بتفارقهاش، السلسلة اللي شهدت على الليلة المشؤومة لما شروق دفتنها وهي حية وظلمتها

عشان تداري غلطة كبيرة عملتها زمان.
"استنى!" صرخت شروق وهي بتحاول تجري وراه، كانت خطواتها تقيلة ومهزوزة كأنها لسه بتتعلم المشي من جديد. "خدوه! امسكوه! ما تخلوهوش يمشي!"
الحراس جروا ورا الولد اللي كان بيختفي بسرعة غريبة بين الشجر والممرات وكأنه خيال أو طيف. شروق وقعت على ركبتها في الطين، فستانها الغالي اتبهدل، وبرستيجها كله ضاع قدام الخدم، بس ما كانش هاممها.. كانت بتنهج وبتبكي بهستيريا.
واحد من الحراس رجع وهو وشه أصفر: "يا هانم.. الولد ملوش أثر.. كأن الأرض انشقت وبلعته!"
شروق بصت له بعيون مبرقة وقالت بصوت مرعوب: "الولد ده مش إنسان.. الولد ده هو (الخطيئة) اللي كنت فاكرة إني دفنتها. نادية بعتته عشان يكسرني في اليوم اللي المفروض أفرح فيه بشفائي."
فتحت كف إيدها تاني وبصت للسلسلة، وفجأة لاحظت حاجة خلت دمها يتجمد. السلسلة ما كانتش بس مصدية، كان محفور عليها من ورا بخط صغير وجديد كأنه لسه معمول حالاً:
**"اللي وقفِك على رجليكي، هو اللي هيخليكي تمشي لحد قبرك بإيدك.. الحساب بدأ يا شروق."**
في اللحظة دي، سمعت صوت ضحكة طفل جاية من بعيد، ضحكة صافية بس مليانة غل، والريح بدأت تصفر في الساحة وكأنها بتعلن إن القصر ده مش هيشوف طعم النوم من الليلة دي ورايح.
شروق قامت من الأرض وهي بتترعش، مشيت خطوات تايهة جوه القصر، والخدم وسعوا لها وهم مرعوبين من منظرها. دخلت مكتبها وقفت قدام المراية الكبيرة، بصت لوشها اللي بقى باهت وكأن العمر جري بيه عشر سنين في دقيقة واحدة.
مسكت السلسلة
المصدية وضغطت عليها بكل قوتها لحد ما طرفها جرح إيدها، والدم بدأ ينقط على السجادة الحرير. "نادية ماتت.. أنا متأكدة إنها ماتت"، همست لنفسها وهي بتحاول تقنع عقلها باللي حصل، "أنا شفت البيت وهو بيتحرق، وشفت السقف وهو بيقع عليهم.. مستحيل يكون حد عاش!"
فجأة، تليفون المكتب رن. صوت الرنة كان عالي ومفاجئ لدرجة إنها اتنفضت. رفعت السماعة وإيدها بتترعش:
* "ألو؟"
  ما جاش رد، بس كان فيه صوت نفس هادي.. ونغمة موسيقية ضعيفة جاية من بعيد، نغمة كانت نادية بتدندن بيها وهي بتنيم ابنها الصغير.
شروق صوتها انقطع من الخوف: "إنت مين؟ انطق! عايز فلوس؟ هديك اللي إنت عايزه.. بس ابعد عني!"
جاء لها صوت الولد، بس المرة دي كان صوته أعمق، وكأنه طالع من سرداب: "الفلوس اللي حرقتي بيها قلوبنا، هي هي اللي هتحرق بيتك يا هانم. مشيتي؟ طيب وريني هتروحي فين من اللي جاي."
الخط قطع. شروق رمت السماعة وبصت للشباك، شافت خيال الطفل واقف بعيد تحت شجرة الجميز الكبيرة، كان باصص لها ورافع إيده، وفي إيده التانية كان ماسك "علبة كبريت" قديمة.
نزلت تجري على السلم وهي بتصرخ في الحراس: "الحقوني! الولد بره! هيحرق القصر!"
لكن لما الحراس وصلوا للشجرة، ما لقوش حد. ملقوش غير "فردة جزمة" صغيرة ومقطوعة، كانت تخص ابن نادية اللي شروق كانت فاكرة إنه ضاع في الحريقة من اتناشر سنة.
رجعت شروق لغرفتها وهي بتنهج، وقفلت الأبواب بالترابيس. قعدت على السرير وهي ضامة رجليها لصدفها، الرجلين اللي رجعوا يمشوا عشان يشيلوا
هموم أتقل من الجبال. وفجأة،

تم نسخ الرابط