من مكنسة شارع… إلى يد تُنقذ حياة حكايات شروق خالد
كانت تمسك بالمكنسة كأنها آخر ما تبقى لها في هذا العالم.
يدها المرتعشة تمر فوق الأسفلت ببطء، تجمع الغبار كأنها تجمع بقايا أيامها.
في السبعين من عمرها، لم يعد في جسدها قوة، لكن الجوع لا يرحم ولا ينتظر.
الشمس كانت حارقة، والشارع شبه خالٍ، إلا من صوت احتكاك المكنسة بالأرض وأنفاسها الثقيلة.
توقفت لحظة، وضعت يدها على ظهرها، وأغمضت عينيها.
يا رب لقمة تسندني بس.
لم تكن تطلب الكثير. لم تكن تحلم بالكثير. فقط أن تنتهي يومها دون أن تنام جائعة.
وفجأة
صوت سيارة فاخرة شق الصمت.
سيارة سوداء لامعة توقفت ببطء بجانبها.
لم ترفع رأسها في البداية. اعتادت أن تمر السيارات بجانبها وكأنها غير موجودة.
لكن هذه المرة توقفت.
انخفض زجاج النافذة بهدوء.
رجل في منتصف العمر، أنيق، ملامحه هادئة بشكل غريب.
لم يقل كلمة.
مد يده وفيها كيس أسود صغير.
أشار لها أن تأخذه.
ترددت.
نظرت له بعينين مليئتين بالحذر.
ليه؟
لم يجب. فقط ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأن الإجابة ليست مهمة.
وضعت المكنسة جانبًا، وتقدمت ببطء، وأخذت الكيس.
وقبل أن تنطق
ارتفع الزجاج مرة أخرى.
وانطلقت السيارة.
وقفت
قلبها يدق بسرعة، ويدها تقبض على الكيس كأنه شيء ثمين أو شيء خطير.
نظرت حولها.
لا أحد.
جلست على الرصيف، ببطء، وكأنها تخاف مما ستجده بالداخل.
فتحت الكيس.
وفي لحظة
تجمدت أنفاسها.
رزم رزم من المال.
كميات لم ترها في حياتها.
سقط الكيس من يدها، ثم التقطته بسرعة وكأن الأرض قد تسرقه منها.
بدأت دموعها تنهمر دون أن تشعر.
لا لا ده مش بتاعي ده غلط
نهضت فجأة، وكأن شيئًا ضرب قلبها.
نظرت في اتجاه السيارة التي بدأت تبتعد.
استنى! استنى!!
أمسكت الكيس، وركضت.
ركضت بكل ما تبقى فيها من عمر.
أنفاسها تتقطع، قدمها تتعثر، لكن قلبها كان أسرع من جسدها.
استنى يا ابني! الفلوس دي مش بتاعتي!!
بشكل مفاجئ
توقفت السيارة.
توقفت وكأنها كانت تنتظر.
اقتربت منها وهي تلهث، بالكاد تقف على قدميها.
وضعت يدها على باب السيارة، ودموعها تنزل بلا توقف.
خدها أنا مش حرامية ده مش حقي
نزل الزجاج مرة أخرى.
نظر إليها الرجل بهدوء لكن هذه المرة، كانت عيناه مختلفة.
فيها شيء يشبه الحزن.
قال بصوت منخفض
أنا عارف.
هزت رأسها بقوة
لا مش عارِف أنا مش ممكن آخد حاجة مش بتاعتي.
ابتسم
عشان كده هي بتاعتك.
سكتت.
لم تفهم.
اقترب قليلًا وقال
أنا بدوّر على حد أمين حد ما يبيعش نفسه عشان الفلوس.
أشار للكيس.
اختبار وانتي نجحتي فيه.
ارتجفت شفتاها.
اختبار؟
أكمل بهدوء
أنا عندي مؤسسة خيرية وبقالى سنين بدوّر على حد يديرها بقلب مش بعين طماعة.
نظر لها مباشرة
أنا شوفتك من بعيد يوم ورا يوم بتشتغلي في الحر من غير ما تمدي إيدك لحد.
صمت لحظة
ثم قال
الفلوس دي مش صدقة دي بداية.
دموعها سقطت بغزارة.
جلست على الرصيف مرة أخرى لكن هذه المرة لم تكن من التعب بل من ثقل ما سمعته.
أنا؟! أنا أعمل كده؟! أنا ست غلبانة!
رد بهدوء
الغلب مش عيب قلة الضمير هي العيب.
سكتت
ثم نظرت للكيس ثم له.
لأول مرة منذ سنوات شعرت أن الحياة ربما لم تنتهِ بعد.
همست بصوت مرتعش
طب لو وافقت أعمل إيه؟
ابتسم وقال
تكملي زي ما انتي بس تساعدي غيرك كمان.
أغلق النافذة ببطء
وقبل أن تتحرك السيارة، قال جملة أخيرة
في ناس الفلوس بتغيّرهم وفي ناس هم اللي بيغيّروا الفلوس.
وانطلقت السيارة تاركة خلفها امرأة لم تعد كما كانت.
نظرت للكيس مرة أخرى
ثم للسماء.
وضعت
يمكن ده رزق بس جه متأخر شوية.
لكن الحقيقة
أنه لم يكن متأخرًا أبدًا.
بل جاء في اللحظة التي كانت تستحقه فيها.
حكايات شروق خالد
لم تنم تلك الليلة.
جلست في غرفتها الصغيرة، الكيس الأسود أمامها، كأنه شيء غريب لا ينتمي لحياتها.
كانت تنظر إليه ثم تبعد نظرها سريعًا، وكأنها تخاف أن تتغير.
يا رب أنا قدّها؟
الصمت كان يرد عليها.
مع أول ضوء للفجر، قامت.
غسلت وجهها، ارتدت ملابسها القديمة نفسها وأمسكت المكنسة.
نزلت الشارع.
نفس المكان.
نفس الغبار.
لكن لم تكن نفس المرأة.
بدأت تكنس، ببطء، وكأنها تتمسك بشيء تعرفه وسط كل هذا التغيير.
لكن داخلها كان في صوت جديد.
إنتي مش لوحدك خلاص.
بعد ساعة
توقفت سيارة سوداء نفس السيارة.
هذه المرة لم تتردد.
وقفت وانتظرت.
نزل الرجل بنفس هدوئه، لكن هذه المرة اقترب منها.
صباح الخير.
هزت رأسها بخجل
صباح النور
سألها
فكرتي؟
نظرت للأرض لحظة ثم قالت
أنا وافقت بس بشرط.
رفع حاجبه باهتمام
إيه هو؟
قالت بثبات مفاجئ
ولا جنيه من الفلوس دي يتصرف غلط ولا حد محتاج يترفض.
ابتسم.
واضح إني اخترت صح.
في نفس اليوم، أخذها
مبنى كبير نظيف فيه ناس كتير.
لكن كلهم كانوا ينظرون لها باستغراب.
دي؟!
همسات خافتة بدأت تنتشر.
دي اللي هتدير المكان؟!
دي كانت