هو ما اختفاش… هو بيراقبني حكايات شروق خالد
كل صباح، كنت متعودة أبص على جيراني وهم بيجروا جنب بعض، بيضحكوا كأنهم عايشين في قصة حب مثالية. بس لأكتر من أسبوع، باب بيتهم فضل مقفول، والشارع بقى فيه حاجة غلط من غيرهم. النهارده، أخيرًا خبطت على بابهم.
“ألو؟” ناديت.
مفيش رد.
وفجأة الباب فتح لوحده بصوت خفيف… واللي شوفته جوا خلّى دمي يبرد في عروقي. كان المفروض أمشي… بس كان خلاص فات الأوان.
كل يوم الساعة 6:15 بالظبط، من غير تأخير، كان أحمد ونور بيخرجوا من باب بيتهم الأزرق، لابسين جزم جري شبه بعض، وبيتحركوا بتناغم كده ييجي من الروتين الطويل. كانوا بيضحكوا بسهولة، كأن الحياة استقرت معاهم على حاجة هادية.
أحمد دايمًا كان شايل زجاجة مية، بيهزها في إيده، ونور كانت بتقف على النجيلة قدام البيت، تتمطى، ووشها ناحيه نور الصبح كأنها مش عايزة تكون في حتة تانية.
من شباك مطبخي، وأنا مسكة القهوة بإيدي، كنت بتفرج عليهم شهور.
بقوا جزء من يومي.
حاجة متوقعة.
مريحة.
في عالم نادرًا ما
كانوا باين عليهم ثابتين.
مبسوطين.
آمنين.
وفجأة…
اختفوا.
في الأول، الموضوع ماحسّيتش إنه خطير.
أول يوم، قلت يمكن صحيوا متأخر.
تاني يوم، يمكن عيانين.
لحد اليوم الرابع، الغياب بقى تقيل شوية. الجرايد متراكمة قدام الباب، محدش لمسها. اليوم السادس، الزبالة لسه على الرصيف زي ما هي، كأن الزمن وقف حوالين بيتهم بس.
الستاير مقفولة.
مفيش نور بيتفتح بالليل.
مفيش عربية بتتحرك.
ولا أي حاجة.
بعتّ لنور رسالة في اليوم السادس:
“إنتوا كويسين؟”
ماكناش صحاب قريبين، بس كان معانا أرقام بعض من بعد حفلة صغيرة.
ما ردتش.
في اليوم التامن، فضلت واقفة عند الشباك أطول من العادي، ببص على البيت وقهوتي بردت في إيدي. كان في إحساس غلط مش قادرة أفسّره.
يمكن عشان صندوق الجوابات مفتوح وميل شوية.
يمكن عشان السكون.
أو يمكن عشان آخر مرة شفت نور… كانت باين عليها مش طبيعية. ابتسمت، بس ابتسامتها ما وصلتش لعيونها. كانت شاحبة… ومشغولة.
قلت لنفسي عادي.
بس دلوقتي…
الإحساس ده مش راضي يسيبني.
وقت الضهر، ماقدرتش أتجاهل أكتر.
عدّيت الشارع ببطء، بحاول أقنع نفسي إني بس جار قلِقان.
خبطت مرتين.
“نور؟ أحمد؟ أنا سارة… من البيت اللي قدامكم.”
سكون.
دوست الجرس.
ولا حاجة.
اترددت لحظة… وإيدي قريبة من الأكرة.
وبعدين لمستها.
الباب اتحرك…
ببطء… وفتح لجوا بصوت صرير خفيف.
أول حاجة وصلتلي كانت الريحة.
ريحة وحشة… بايظة… غلط.
الصالة كانت ضلمة، الستاير مقفولة بإحكام. أباجورة واقعة على جنب، وغطاها متني بشكل غريب. مج متكسر على الأرض، وقطع متفرقة، وبقع غامقة غرقانة في السجادة.
قلبي بدأ يدق جامد لدرجة إني سامعاه في وداني.
“نور؟” ناديت تاني، بصوت أعلى.
لحظة… مفيش حاجة.
وفجأة—
صوت.
ضعيف… مهزوز.
صوت طالع من فوق.
“لو سمحتي…”
اتجمدت مكاني.
“ما تخليهوش يرجع.”
الكلمات نزلت في ضهري زي التلج.
وبعدين شوفته…
على السلم.
آثار دم…
ناشفة…
طالعة لفوق.
رجلي اتحركت
“نور؟” همست وأنا ببص لفوق.
مفيش رد… غير نفس الصوت الضعيف اللي سمعته قبل كده.
“لو سمحتي… بسرعة…”
قلبي كان بيدق بعنف، بس كملت. آثار الدم كانت واضحة أكتر وأنا بطلع، خط رفيع متقطع، كأنه حد كان بيحاول يمشي وهو مش قادر.
وصلت للدور اللي فوق. الممر كان ضلمة، باب أوضة مفتوح نص فتحة، والهواء اللي طالع منه كان تقيل… مرعب.
دفعت الباب بإيدي المرتعشة.
ونور كانت هناك.
مرمية على الأرض جنب السرير، وشها شاحب، وشعرها ملزق في جبينها، وعينيها مفتوحة بالعافية. كانت ضعيفة لدرجة إني في الأول افتكرت إنها… راحت.
جريت ناحيتها وركعت جنبها.
“يا نهار أبيض… نور! إيه اللي حصل؟”
حاولت تتكلم، صوتها كان بيطلع بالعافية:
“أحمد… مش زي ما انتي فاكرة…”
جسمي اتجمد.
“هو فين؟”
هزت راسها ببطء، ودموعها
“هييجي… قال إنه هيرجع…”
وقبل ما أسألها أي حاجة تانية—
سمعت صوت.
من تحت.
باب البيت بيتقفل.
قلبي وقف لحظة، وبعدين بدأ يدق أسرع من الأول.
نور