الخادمه الصغيرة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

تشعان بطيبة نادرة. نظر إلى ليلى القابعة في ركنها، بملابسها البسيطة ووجهها المغسول بالدموع، وشعر بانقباض في قلبه. اقترب منها بهدوء، وجثا على ركبتيه أمامها ليصبح في مستوى نظرها.
بصوت دافئ ومطمئن، سألها ما الذي يفعله قمر مثلك هنا في هذا الوقت المتأخر يا ابنتي؟ ولماذا تبكين؟
لم تستطع ليلى حبس دموعها أكثر، وانفجرت في البكاء وهي تحكي له قصة طرد زوجة أبيها لها، وكيف قضت طفولتها خادمة في بيت لم يرحم ضعفها. استمع الرجل إليها بإنصات، وتأثر بشدة بقصتها وقوة تحملها رغم صغر سنها.
عندما انتهت، قال لها بابتسامة حانية لا تبكي يا ليلى، منذ هذه اللحظة، لن تؤذيكِ هذه المرأة مرة أخرى، ولن تشعري بالجوع أو الخوف أبداً. تعالي معي.
ترددت ليلى في البداية، لكنها شعرت بطمأنينة غريبة تجاه هذا الرجل، فوافقت وذهبت معه. أخذها إلى بيته الفخم، الذي كان أشبه بالقصر، واعتنى بها وكأنها ابنته، ووفر لها كل سبل الراحة والتعليم.
مرت عشرون عاماً...
تبدلت أحوال ليلى تماماً، لم تعد تلك الطفلة الخائفة والمهملة، بل أصبحت امرأة قوية وناجحة ومثقفة. بفضل دعم الرجل الذي أنقذها وتعليمه لها، استطاعت ليلى أن تتدرج في المناصب وتكتسب خبرة كبيرة، حتى أصبحت اليوم تمسك بزمام كبرى الشركات في البلاد، وتدير إمبراطورية اقتصادية ضخمة.
جلست ليلى في مكتبها الفخم المطل على النيل، وتذكرت ذلك اليوم الذي غير مجرى حياتها، وابتسمت وهي تشعر بالامتنان لذلك الرجل الذي
آمن بها وفتح لها أبواب الأمل. لم تنس ليلى أبداً ماضيها القاسي، بل كان دافعاً لها لتحقيق النجاح ومساعدة الآخرين، وخاصة الأطفال الذين يعانون مثلما عانت هي.
حكايات شروق خالد
في ذلك البرج الشاهق الذي يحمل اسم مجموعة شركات ليلى، كانت ليلى تجلس خلف مكتبها العريض، ترتدي حلة رسمية سوداء تعكس صرامة شخصيتها وقوتها التي استمدتها من وجع الماضي. طرقت السكرتيرة الباب وأخبرتها أن المتقدمة للوظيفة الجديدة تنتظر بالخارج.
أومأت ليلى برأسها، ودخلت الفتاة. كانت ترتدي ملابس تحاول جاهدة أن تبدو أنيقة، لكن ملامح الارتباك كانت تملأ وجهها. توقفت الفتاة فجأة، واتسعت عيناها بذهول وهي تنظر إلى المرأة الجالسة على الكرسي الجلدي الفخم. إنها ليلى.. الخادمة الصغيرة التي كانت تذلها وتأمرها بتنظيف أوساخها.
ساد صمت رهيب في الغرفة، قطعته ليلى بابتسامة باردة وهي تضع ملف الفتاة أمامها. نظرت ليلى إلى الاسم ببطء ثم رفعت عينيها وقالت بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة أهلاً بكِ.. يبدو أن الزمان يدور دورته الكاملة يا هناء.
تلعثمت هناء، وبدأ جسدها يرتجف ليلى؟.. أنا.. أنا لم أكن أعرف أنكِ..
قاطعتها ليلى بحدة وهي ترمي الملف على الأرض تحت قدمي هناء انحني والتقطيه.. تماماً كما كنتِ ترمين ملابسك المتسخة تحت قدمي لألتقطها وأنا في العاشرة من عمري.
نزلت دموع هناء وهي تنحني بانكسار وتجمع الأوراق من على السجاد، بينما كانت ليلى تراقبها ببرود لا يوصف. عندما
وقفت هناء، قالت ليلى بصوت مسموع سمعتُ أن والدتكِ تعاني الآن، وأنكم فقدتم كل شيء.. وأنكِ بحاجة ماسة لهذا العمل لكي تجدي ثمن الخبز.
أطرفت هناء برأسها وقالت بنحيب أرجوكِ يا ليلى.. نحن في ضيق شديد.. سامحيني على ما مضى.
ضحكت ليلى ضحكة قصيرة مريرة، ثم وقفت واقتربت منها حتى أصبحت أنفاسها في وجه هناء أقبل توظيفك.. لكن ليس كمديرة أو موظفة مكاتب. سأوظفكِ عاملة نظافة في هذا الدور تحديداً، لتمسحي الأرض تحت قدمي كل صباح، ولتذوقي طعم المذلة التي سقيتموني إياها لسنوات. سأجعلكِ تشعرين بكل لحظة قهر عشتها وأنا طفلة صغيرة لا حول لي ولا قوة.
أمسكت ليلى بمنديل ورقي، مسحت به طرف مكتبها ثم رمته في وجه هناء وقالت بلهجة آمرة خذي هذا إلى سلة المهملات.. وابدئي عملك فوراً. كرامتكِ التي جئتِ بها اليوم، اتركيها خلف ذلك الباب، ففي هذا المكان، أنا السيدة.. وأنتِ مجرد ذكرى باهتة لظلم قديم يُدفع ثمنه الآن بالكامل.
حكايات شروق خالد 
دخل مروان، ابن الرجل الذي أنقذ ليلى، إلى مكتبها فجأة، ليتوقف مكانه مذهولاً من المشهد. كانت هناء، ابنة زوجة أبيها السابقة، جاثية على ركبتيها تلملم الأوراق والحطام عن الأرض والدموع تملأ وجهها، بينما ليلى تقف ببرود وجبروت لم يعهده فيها من قبل.
نظر مروان إلى هناء ثم إلى ليلى، وقال بنبرة تملؤها الحيرة ليلى؟ ماذا يحدث هنا؟ ولماذا هذه الفتاة في هذه الحالة؟
بمجرد أن سمعت ليلى صوته، تبدلت ملامح وجهها القاسية
فوراً، وانمحت نظرة الانتقام لتحل محلها نظرة حب جارف وشوق لم يطفئه سوى رؤيته. نسيت كل ما حولها، ونسيت هناء المنكسرة تحت قدميها، وتحركت بخطوات سريعة نحو مروان.
ارتمت ليلى في أحضانه بقوة، متمسكة به كأنها الطفلة ذات العشر سنوات التي وجدت أمانها أخيراً، وهمست بصوت مسموع وهي تنظر إلى هناء التي كانت تراقبهما بذهول وصدمة مروان.. حبيبي، جيد أنك أتيت في هذا الوقت.
التفتت ليلى نحو هناء، وهي لا تزال محتمية بحضن مروان، وقالت بنبرة فيها فخر وشماتة تنهي كل أمل لهناء في النجاة لماذا تنظرين هكذا يا هناء؟ أقدم لكِ مروان، ابن الرجل العظيم الذي انتشلني من وحل قسوتكم.. مروان ليس فقط مدير هذه الشركة معي، بل هو زوجي، وسندي، والرجل الذي عوضني الله به عن كل يوم مر ذقتُ فيه الذل في بيتكم.
سقطت الكلمات على مسامع هناء كالصواعق، أدركت الآن أن ليلى لم تصبح غنية وقوية فحسب، بل أصبحت تملك العزوة والحب الذي حُرمت منه قديماً، وأن الشخص الذي تترجى عطفه في العمل هو نفسه الرجل الذي سيحمي ليلى منها ومن ماضيها للأبد.
أحكم مروان قبضته على كتف ليلى مقبلاً رأسها، ونظر إلى هناء بجمود قائلاً أكملي عملك يا عاملة النظافة.. ولا ترفعي عينكِ في وجه سيدتكِ مرة أخرى. غادر مروان وليلى المكتب وهما يضحكان، تاركين هناء خلفهما غارقة في ندمها، تمسح الأرض بدموع حسرتها على زمن كانت فيه هي الظالمة، وأصبحت فيه الآن مجرد خادمة في مملكة ضحيتها القديمة.
الخادمه
الصغيرة 
حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط