الخادمه الصغيرة حكايات شروق خالد
في منتصف الليل
كانت ليلى نايمة على الأرض، حضنة نفسها من البرد والتعب، ملامحها طفولية لكن مرهقة كأنها أكبر من سنها بكتير
فجأة
إيد قاسية شدت شعرها بعنف.
قووومي!
صوت مرات أبوها كان مليان قسوة.
فتحت ليلى عينيها وهي بتتألم، دموعها نازلة في صمت.
نظفي البيت مش جاية أقعد أخدمك أنا!
قامت البنت الصغيرة وهي بتتوجع، تمشي ببطء، إيديها بترتعش وهي شايلة الفوطة
في نفس اللحظة
خرجت زينة بنت مرات الأب من أوضتها، لابسة لبس شيك، بتبص لليلى من فوق لتحت باحتقار.
وقفت قدام المراية تعدل شعرها، وبصت لليلى وهي بتمسح الأرض.
ابتسمت بسخرية وقالت
إيه ده؟ لسه مخلصتيش؟ بطيئة أوي!
مشيت ناحية أمها وقالت بدلع
ماما عايزة مصروف.
ادتها الفلوس، وزينة مسكت كوباية الشاي من على الترابيزة
وبصت لليلى
لحظة صمت مليانة كِبر وقسوة.
وفجأة
كبّت الشاي على الأرض قدامها.
امسحي دي كمان!
ضحكت بصوت عالي، وخرجت من البيت وهي بتدندن
وكأنها ما عملتش حاجة.
ليلى فضلت واقفة مكانها
بصت للأرض وبعدين مسحت دموعها بإيدها الصغيرة
ونزلت على ركبها
تكمل مسح المكان في صمت ووجع
كانت ركبتها بتوجعها وهي على الأرض، لكن ما وقفتش كأنها اتعودت. إيدها الصغيرة بتمسح الشاي اللي اتكب، ودموعها بتنزل في صمت على البلاط، تختلط بيه وكأن محدش شايفها ولا سامعها.
من جوه الأوضة، صوت ضحك مرات أبوها كان عالي، وهي بتكلم حد في التليفون
أصل البت دي لازم تتربى الكسل ماليها!
ليلى رفعت عينيها لحظة كأنها مستغربة الكلمة.
كسل؟
هي اللي ما نامتش غير ساعتين وهي اللي شغالة طول اليوم
رجعت تبص للأرض بسرعة، كأن حتى التفكير ممنوع.
خلصت مسح، قامت تلم الكوباية المكسورة، إيدها اتجرحت، نقطة دم نزلت بصتلها شوية، وبعدين مسحتها في هدومها القديمة وسكتت.
قرب الفجر
البيت كله نام، إلا هي.
دخلت المطبخ بهدوء، فتحت التلاجة فاضية تقريبًا. لقت عيشة ناشفة في الركن، مسكتها وقعدت على الأرض تاكلها ببطء كأنها كنز.
فجأة باب الشقة اتفتح.
اتخضت قلبها دق بسرعة.
دخل أبوها.
كان تعبان، وشه مرهق، لكنه أول ما شافها قاعدة على الأرض سكت.
بصلها ثواني طويلين.
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ارتبكت وقامت بسرعة
أنا أنا بنضف بس
عينه نزلت على إيدها المجروحة وعلى هدومها المبلولة وعلى الأرض اللي لسه فيها أثر الشاي.
سكت تاني بس المرة دي سكوته كان مختلف.
في اللحظة دي، خرجت مرات الأب من الأوضة، بصوت ناعس
في إيه؟ وصلت إمتى؟
بصلها وبعدين بص لليلى.
أول مرة
ليلى حسّت إن في حاجة هتحصل.
أول مرة
حد ممكن يشوفها بجد.
حكايات شروق خالد
كانت ليلى تجلس على حافة الرصيف البارد، ضامةً جسدها الصغير كأنها تحاول الاختباء من نظرات المارة. دموعها لم تكن تسيل فحسب، بل كانت تحرق وجنتيها وهي تشعر بلسعة البرد ووحشة الشارع. في تلك اللحظة، لم يكن بكاؤها على ضياعها في الشوارع بقدر ما كان شريط ذكريات مرير يمر أمام عينيها.
تذكرت ليلى صوت زوجة أبيها الحاد الذي كان يقطع سكون الفجر كل يوم قومي يا ست هانم، البيت مش هينظف نفسه!. تذكرت يديها الصغيرتين وهي تمسك بالممسحة الثقيلة، وكيف كانت تقضي الساعات في فرك الأرضيات حتى تتورم أصابعها، بينما كانت ابنة زوجة أبيها، التي تقاربها في السن، تجلس بجوارها تلعب بدماها الجديدة، وتوزع عليها الأوامر
كانت ليلى تنظر إلى كتبها المدرسية الملقاة في زاوية الغرفة بغبارها، تشتاق لمسك القلم، لكن زوجة أبيها كانت تصرخ دائماً الدراسة مش هتنفعك، شغل البيت هو اللي هيعلمك الأدب. كانت ليلى هي من تطبخ، وهي من تغسل الصحون، وهي من ترتب الفوضى التي لا تنتهي، في حين كانت ابنة زوجة أبيها المدللة تعيش طفولتها كاملة، غير مكترثة بدموع ليلى الصامتة ولا بتعبها الذي هكَّ جسدها الصغير.
والآن، بعد كل ذلك القهر، وجدت ليلى نفسها ملقاة في الشارع بملابسها البسيطة، لأنها تجرأت وكسرت طبقاً عن غير قصد. مسحت ليلى دموعها بظهر يدها الخشنة من أثر المنظفات، ونظرت إلى السماء، متسائلة بمرارة كيف لقلب امرأة أن يرمي طفلة للشارع بعد أن سرق منها طفولتها وجعلها خادمة في بيت كان من المفترض أن يكون أمانها؟ كانت القسوة التي رأتها في تلك الغرف المغلقة أشد برداً من رصيف الشارع الذي تحتضنه الآن.
حكايات شروق خالد
مرت الساعات وليلى على حالها، تراقب أقدام الناس التي تمر من أمامها دون أن تلاحظ انكسارها. كانت تفكر في أبيها، ذلك الرجل الذي اختار الصمت مقابل راحته، وكيف كان يغض طرفه وهي يراها تحمل أواني الطبخ الثقيلة وتتعثر في أذيال خيبتها. تذكرت ليلة أمس، حين كانت ابنة زوجة أبيها تقفز فوق الفراش وتسكب العصير عمداً على السجادة التي قضت ليلى ساعات في تنظيفها، ثم نظرت إليها بتحدٍ وقالت نظفيها يا خادمة.
حينها، لم تنطق ليلى بكلمة، كانت تخشى سوط لسان زوجة أبيها أكثر من تعب جسدها. لكن الصمت لم يشفع لها؛ فبمجرد أن دخلت زوجة الأب وشاهدت البقعة، انهالت عليها بالاتهامات
وضعت ليلى رأسها بين ركبتيها، وشعرت بجوع يقرص معدتها، لكنه لم يكن أشد وجعاً من جوعها للأمان. تذكرت كيف كانت ابنة زوجة أبيها تذهب للمدرسة بحقيبة زاهية ووجبة غداء متكاملة، بينما تظل هي حبيسة الجدران الأربعة، تصارع الغسيل وتجفف دموعها بمئزر المطبخ. كانت ترى من نافذة البيت الصغير الأطفال وهم يركضون ويضحكون، فتتخيل نفسها بينهم، تمسك كتاباً أو تطارد فراشة، لكن صوت الارتطام بالواقع كان دائماً يأتي من صراخ زوجة أبيها وهي تأمرها بتحضير القهوة.
رفعت ليلى رأسها ونظرت إلى يديها؛ كانت آثار الصابون والمواد الكيميائية قد تركت علاماتها المبكرة على جلدها الرقيق. تساءلت في سرها هل سيعرفني أبي إذا رآني هنا؟ أم أنه نسي وجهي كما نسي أنني طفلته؟. لم تكن تبكي لأنها في الشارع فحسب، بل لأنها اكتشفت أن البيت الذي خدمته بكل قوتها، لم يكن يوماً بيتاً لها، وأن تلك السنين التي ضاعت في الخدمة لم تشترِ لها ذرة من عطف في قلب تلك المرأة التي سكنت مكان أمها. أغمضت عينيها وهي تسمع صوت الريح، متمنيةً لو أن الرصيف ينشق ويبلع حزنها، أو أن تستيقظ لتجد أن كل هذه السنوات كانت مجرد كابوس ثقيل.
حكايات شروق خالد
بينما كانت ليلى غارقة في دجاها وحزنها على الرصيف البارد، انشق سكون الليل بصوت محرك قوي وهادئ، اقتربت سيارة سوداء فارهة، من أحدث الطرازات التي لم تكن ليلى تراها إلا في أحلامها البعيدة، وتوقفت ببطء محاذية للرصيف.
نزل من السيارة رجل وقور،