كنت لسه والده حكايات زهرة
كنت لسه شايلة ابني اللي لسه مولود لما حماتي بصت لي بقرف وقالت: "أنتي مالكيش مكان في صورة العيلة دي.. اطلعي برا." جوزي مأطقش بكلمة.. ولا حتى حرف واحد! أنا ابتسمت وبصيت في عينها بكل قوة ووشوشت لها: "تمام.. بس بما إن البيت ده مكتوب باسمي أنا، قدامك 24 ساعة تلمي عزلك وتطلعي برا." هي افتكرتني ضعيفة.. مكنتش تعرف إن دي اللحظة اللي كل حاجة فيها هتتغير!
لما اتجوزت "إياد"، كنت عارفة إن أمه بتكرهني. "عفاف" عمرها ما حاولت تخبي ده. كانت بتمثل الذوق قدام الجيران وصحابها، بس ورا الأبواب المقفولة كانت بتعاملني كأني "دخيلة" على عيلتها الملكية. بالنسبة لها، أنا كنت هادية زيادة، ومستقلة زيادة، و"مختلفة" عن الرسمة اللي رسمتها لمرات ابنها. إياد دايماً كان بيقول لي: "كبري دماغك، هي طبيعتها كدة"، وكأن قلة الأدب دي "طبع" مش اختيار!
لمدة سنتين حاولت أستحمل. عملت لها عزومات في "بيتي" اللي شريته بفلوس شغلي قبل الجواز، وكنت ببتسم وهي بتنتقد كل حاجة؛ من أول تطبيقة الفوط لحد طعم الأكل. ولما حملت، قلت يمكن تحن.. الناس بتقول العيال بتصلح القلوب، بس في حالتنا العيل كشف القلوب السودة.
عفاف بقت مسيطرة أكتر كل ما ميعاد ولادتي يقرب. تدخل البيت من غير استئذان، وتنتقد ألوان أوضة البيبي، وقررت إن ابني هيناديها بـ "مامي عفاف" لانو كلمة تيتة بتكبرها! إياد ضحك على الهبل ده، بس أنا مضحكتش. وبعد ما ولدت، كلامها بقى زي السم. قالت لي "إنتي مش عارفة تشيليه"، و"بترضعي كتير"، وشكلك تعبانة وكأنك "فاشلة من أولها". كنت مهدودة وبحاول أتعلم الأمومة وأنا تحت "ميكروسكوب"
اللحظة اللي "طقت" فيها كانت بعد الولادة بـ 12 يوم بس. عفاف صممت تعمل "صورة عيلة صغيرة" في الصالون عشان أول صور للبيبي "نوح" في البيت. كنت واقفة بالترينج الرمادي المريح، وضامة ابني لصدري، وإياد بيعدل قميصه، وعفاف عمالة تظبط الإضاءة وكأنها بتخرج فيلم عالمي. وفجأة، بصت لي وهست بصوت زي الحية: "أنتي مالكيش مكان في صورة العيلة دي.. اطلعي برا الكادر فوراً."
كنت فاكرة إياد هينطق.. هيقول أي حاجة يدافع بيها عني. بس بص للأرض، وبعدين بص الناحية التانية وسكت تماماً، وكأني أنا اللي عاملة مشكلة! في اللحظة دي، حاجة جوايا ماتت وحل مكانها هدوء مرعب. معيطتش، ولا زعقت. أنا بس ابتسمت وبست راس نوح وقلت لها: "تمام.. بس بما إن البيت ده ملكي ومكتوب باسمي أنا.. قدامك 24 ساعة تلمي هدومك وتغوري من هنا."
وش عفاف بقى أصفر زي الكركم. وإياد لفت وشه ليا بسرعة لدرجة إنه كان هيوقع الأباجورة اللي جنبه. ولأول مرة من ساعة ما دخلت العيلة دي، حسيت إن البيت ده فعلاً "بيتي" أنا وبس!
السكوت اللي ساد بعد ضحكتهم كان هو "الهدوء الذي يسبق العاصفة". ليلى سابت المقشة وسندتها على جنينة الورد اللي قدام المدخل، وأخدت نَفَس طويل وهي بتبص لظهرهم وهو بيختفي ورا الأبواب الزجاجية الدوارة للعمارة.
دخلت ليلى من باب جانبي مخصص للموظفين، وفي أوضة تبديل الملابس، م غسلتش إيدها بس، دي غسلت "شخصية العاملة" اللي كانت لابساها. قلعت اليونيفورم الرمادي، وظهرت تحتها ببدلة حرير سوداء متفصلة عليها بالملي. سيبت شعرها، ولبست ساعتها الألماس، وأخدت شنطتها الجلد
باقي 15 دقيقة.
في الصالة الرئيسية (الريسبشن)، كان إسماعيل وصافي واقفين ملمعين نفسهم ومنتظرين أهم اجتماع في حياة إسماعيل المهنية. شركته كانت على وشك الإفلاس، وكان جاي يترجى "صاحب العمارة" عشان يجدد له عقد المكتب ويوافق يدخل معاه شريك بتمويل ضخم ينقذه من السجن.
صافي كانت بتمسح على دراعه وتقوله: "متقلقش يا حبيبي، أنا كلمت وسيط وقالي إن صاحب العمارة ده راجل بيقدر البيزنس، والنهاردة هتكون بداية ثروتنا الحقيقية."
باقي 5 دقائق.
الأسانسير فتح، وطلعوا للدور الأخير.. "جناح رئيس مجلس الإدارة".
السكرتيرة قامت وقفت باحترام وقالت: "مستر إسماعيل؟ مدام صافي؟ اتفضلوا، رئيسة مجلس الإدارة مستنياكم جوه."
دخلوا المكتب اللي كان واجهته كلها قزاز ومطل على أجمل منظر في القاهرة. وفي آخر التربيزة الطويلة، كان فيه كرسي ضخم لافف وشّه للشباك.
إسماعيل بدأ يتكلم بنبرة كلها ثقة مزيفة: "يا فندم، أنا بشكرك جداً على المقابلة دي. أنا إسماعيل صاحب شركة 'نابارو'، ومعايا عرض شراكة هيخلي العمارة دي مركز لأكبر صفقات العقارات في مصر."
الكرسي بدأ يلف بالراحة..
إسماعيل الضحكة اتجمدت على وشه، وصافي الموبايل وقع من إيدها واتكسر مية حتة.
ليلى كانت قاعدة، حاطة رجل على رجل، وبتبص لهم بنظرة خلت ركبهم تخبط في بعض.
"اقعد يا إسماعيل،" قالتها ليلى بصوت هادي وبارد زي الثلج.
إسماعيل كان بيقطع في الكلام: "ليلى؟ أنتي.. أنتي بتعملي إيه هنا؟ فين صاحب العمارة؟"
ليلى فتحت ملف قدامها وقالت: "أنا صاحبة العمارة، وصاحبة الشركة اللي إنت مديون لها بـ 4 مليون
صافي حاولت تلم الموضوع وقالت بصوت مهزوز: "أكيد ده سوء تفاهم يا ليلى.. إحنا كنا بنهزر معاكي برا."
ليلى بصت لها بحدة وقالت: "أنا م بهزرش مع عمالي، فما بالك بالأغراب؟" التفتت لإسماعيل وكملت: "عقد الشراكة مرفوض، وعقد إيجار مكتبك اتلغى بناءً على بند (حسن السير والسلوك) وبسبب الديون المتأخرة. قدامك 24 ساعة تخلي المكتب، وإلا الحجز التحفظي هيتنفذ على كل شبر في شركتك."
إسماعيل نزل على ركبه وهو بيترجاها: "ليلى.. أرجوكي، إنتي كدة بتهدي مستقبلي! أنا هضيع!"
ليلى قامت وقفت بكل شموخ وقالت: "إنت اللي هديت مستقبلي وأنا في المستشفى بملابس العمليات، ومفكرتش أنا هضيع ولا لأ. وزي ما قولت لي برا (المكان ده مش مقامك).. أنا كمان بقولك إن القمة دي مش لمعدن زيك."
ضغطت ليلى على زرار الإنتركم: "يا أمن.. اتفضلوا خرجوا الأستاذ وخطيبته برا، ووصلوهم لحد الباب الرئيسي.. خليهم يتفرجوا كويس على الرصيف اللي كانوا بيستهزأوا بيه، عشان ده المكان الوحيد اللي هيفضلوا فيه بعد النهاردة."
خرج إسماعيل وصافي وهما حاسين بالخزي والكسرة قدام الموظفين، وليلى وقفت قدام الشباك، بصت للسما وحست إن حق "ياسين ونور" وحقها رجع بجد، وإن "المقشة" اللي شالتها الصبح، كانت هي اللي كنست زبالة الماضي من حياتها للأبد.
العبرة: م تستهونش بحد عشان شغله أو لبسه، فربما يكون هو صاحب الفضل اللي إنت عايش فيه.. والست اللي تنحني