النجاة في أيدي صغيرة حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

الساعة فوق المكتب كانت بتوري 9:48 بالليل، وكمال قاعد على كرسيه بعد يوم طويل من التقارير. الباب اتفتح بهدوء، وبص قدامها… وقفت بنت صغيرة عند المدخل، شكلها مش أكتر من سبع سنين.

هدومها واسعة عليها، مجعدة ومش متناسقة، ورجليها حافيتين ومغطية بالأوساخ. وشها مبلول بالدموع اللي سايلة على خديها. وفي حضنها كيس ورق بني متكرمش كأنه أهم حاجة في الدنيا.

كمال وقف حريص ما يخوفهاش وقال بصوت هادي: "أزيك؟ أنتِ بخير. هنا في أمان. ممكن تقولي إيه اللي حصل؟"

خطت خطوة لقدام، إيديها بترتعش والكيس بيعمل صوت ورق متكرمش، همست: "من فضلك… أخويا الصغير… مش بيصحى."

الكيس كان خفيف، لكنه كان باين عليه إنها شايلاه كتير. كمال مسكه بكلتا إيديه ودعمه من تحت. لما بص على الورق اللي ملفوف فيه لاحظ بقع خفيفة.

فتح الكيس على مهله، جوه كان طفل صغير ملفوف بمناشف، هش جدًا. قلبه وقع للحظة… وبعدين شاف حركة صغيرة، صدره بيطلع وينزل بهدوء.

كمال شد نفسه، قلبه بدأ يدق بسرعة. الطفل الصغير كان فعلاً عايش، لكن ضعيف جدًا. حط كمال الكيس على المكتب قدامه وهو بيبص للبنت:

"إنتي اسمه إيه؟ وإنتي سايباه معاك إزاي كده؟"

البنت خبطت برأسها على خديها وبصتله بعينين مليانة خوف:
"أنا… أنا سالي… وأخويا كريم… بابا وماما… مش… مش موجودين…"

كمال مسك إيدها وقال:
"ما تخافيش يا سالي، إحنا هنا. أنا هشوفلكم حد يساعد كريم."

سالي رجعت تبكي بشدة وهي شايلة دموعها على خديها المليانين بالتراب. كمال نادى على زميله

اللي في المركز:
"يا هشام، تعال بسرعة، فيه طفل محتاج إسعاف."

هشام ركض جوا، شاف الطفل في الكيس ووقف متجمد للحظة، كأن الوقت وقف.
كمال بدأ يشيك على نبض الطفل، حرّك رقبته برفق، حس إنه ضعيف جدًا لكنه موجود.

سالي وقفت جنب المكتب، رجليها العارية على الأرض الباردة، وهي بتحاول تمسك دموعها.
كمال قال لها:
"إنتي كنتي بتعملّي الصح لما جيتي هنا، ده أنقذ حياتكم."

الولد فتح عينه بشويش، صوت خافت خرج منه: "مم…"
كمال ابتسم رغم القلق وقال:
"شوفتي؟ كل حاجة هتبقى تمام، إحنا هنا علشانكم."

سالي ضمت نفسها على كريم، وده خلى كمال يحس بضغط قلبه… الخوف اللي فيها والطفل الصغير جعله يحس بالعالم كله فجأة ثقيل ومخيف، لكنه كان مصمم إنه يحميهم.

كمال مسك الطفل وحطه على منضدة صغيرة قريبة، بدأ يشيك على تنفسه ونبضه، بينما هشام ركض يجيب بطانية ومعدات إسعاف أولية.

سالي قاعدة جنب المكتب، رجليها العارية على الأرض، عيونها مليانة خوف ودموع، بتحاول تحمي كريم بكل قوتها.

كمال قال لها بصوت حنون:
"ما تخافيش يا سالي، إحنا هنخلي كريم في أمان دلوقتي. هنجيله دكتور ويطمن عليه."

سالي همست:
"أنا… أنا ماكنتش عارفة أعمل إيه… البيت… كله… مش موجود…"

كمال شد إيدها:
"ماشي، كل ده فات دلوقتي. المهم إنتي وأخوكي معانا، وكل حاجة هتتظبط."

هشام دخل ومعاه بطانية ودفعها على الطفل بعناية. كمال شد نفسه، حس ببرودة صوته وهو بينادي:
"دكتور سامي؟ محتاجينك فورًا، فيه طفل حديث الولادة محتاج فحص عاجل."

سالي

بدأت ترتجف وهي بتبص على كريم، لكن شوية شوية بدأ يحس بالأمان لأول مرة من أيام.

كمال وبص للطفلة الصغيرة وقال:
"إنتي شجاعة جدًا يا سالي. كل ده اللي عملتيه أنقذ حياتكم."

سالي ضحكت ضحكة صغيرة من بين دموعها، وابتدت تحس إن في حد واقف جنبها دلوقتي، مش وحيدة زي ما كانت قبل كده.

كمال قعد جنبهم، بيبص على الطفل وعلى سالي، وحس إن اللحظة دي تقيلة عليه، مش بس خوف على الطفل، لكن على الطفلة الصغيرة اللي حملت كل ده على كتفها لوحدها.

بعد دقائق قليلة، دكتور سامي وصل، وفحص كريم بسرعة وهدوء.
"الحمد لله، الطفل محتاج مراقبة شوية، لكنه مستقر دلوقتي"، قال الدكتور وهو بيبص لكمال.

كمال شال الطفل بعناية وحطه على سرير صغير مجهز للمراقبة. سالي واقفة جنب المكتب، رجليها لسه عارية، لكن ابتسامتها بدأت تظهر، رغم التعب والخوف.

كمال حط إيده على كتفها وقال:
"دلوقتي، إنتي وأخوكي في أمان. مفيش حد هيأذيكم تاني."

سالي مسكت إيد كريم، عيونها بتلمع:
"شكراً… شكراً جدًا…"، صوتها بيرتعش، لكنها حست لأول مرة إنها مش وحيدة.

كمال ابتسم لنفسه، وحس إن اللي حصل ده علمه حاجة كبيرة… إن الشجاعة مش بس في الكبار، أحيانًا الأطفال هم اللي بيكونوا الأقوى.

كمال فضل واقف جنب سرير الطفل، بيراقبه وهو بيتنفس ببطء، وسالي ماسكة إيده الصغيرة بإحكام، كأنها لسه خايفة أي حاجة تروح منه.

بعد شوية، واحد من رجال الشرطة جه ومعاه ورقة تسجيل:
"إحنا محتاجين نعرف إيه اللي حصل بالظبط يا سالي، كل حاجة هتكون سر،

بس محتاجين نساعدكم صح."

سالي بصتله بعينين كبيرة، دموعها لسه سايلة:
"أبويا… وماما… اتصرفوا… أنا واخوي… محدش كان موجود… أنا حاولت أحميه… بس…"

كمال شد إيدها وقال بحزم:
"ماشي، ما تقلقيش. إحنا هنا علشان نحميكم. كل اللي هتحكيه دلوقتي هيساعدنا نأمنلكم حياتكم."

سالي أخدت نفس عميق، بدأت تحكي كل حاجة بالتفصيل: البيت الفاضي، الخوف، إزاي حملت كريم وجريت لحد ما وصلت هنا. كل كلمة كانت بتطلع من قلبها، والدموع على وشها بس كانت دلوقتي نوع من الإغاثة، مش بس خوف.

كمال كان بيسمع، كل جزء من القصة بيزود شعوره بالمسؤولية تجاه الطفلين.

لما خلصت سالي، حط كمال إيده على رأسها بحنية:
"أنتي قوية جدًا يا حبيبتي… دلوقتي كل حاجة هتتظبط، ومفيش أي حد هيقدر يأذيكم تاني."

سالي ابتسمت، حسّت لأول مرة بالأمان الحقيقي، وعيونها بتتلمع بامتنان… وكريم الصغير لسه نايم جنبها، وهو مستقر أخيرًا بين أيدي ناس بيهتموا بيه.

كمال جلس شوية جنب سالي وكريم، حس بهدوء غريب مالي المكان. سالي ماسكة إيد كريم بحنان، وعيونها لسه فيها دموع، لكن دي دموع الأمان مش الخوف.

كمال ابتسم لنفسه وقال:
"كل حاجة هتكون تمام من دلوقتي… إنتو مع ناس بتحميكم."

سالي ضحكت ضحكة صغيرة من قلبها، وكريم هز راسه وهو نايم، كأن الدنيا أخيرًا بقت أقل خوفًا.

الليلة دي، على الرغم من كل الرعب اللي عدوا بيه، بدأت حياة جديدة ليهم… حياة فيها أمان، شجاعة، وحب حقيقي، لأول مرة من زمان.

وسالي، الصغيرة الشجاعة، أخيرًا قدرت

تتنفس… وعرفت إن مهما الدنيا صعبة، دايمًا فيه حد هيقف جنبها ويحميها.

النجاة في أيدي صغيرة حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط