١٤ يوم في القبو حكايات شروق خالد
اسمي وفاء، عندي 62 سنة، واتحبست أنا وحفيدتي اللي عندها 3 شهور في القبو على إيد ابني وزوجته، وكلهم بيصرخوا خليكي هنا، يا شقية مزعجة وعجوزة شمطاء!، كل ده عشان يسافروا امريكا براحتهم.
النهار كان ساكت والجو خانق. ابني أحمد بينضف حلقه من غير ما يبصلي في عينيه. قلت له ممكن نتكلم في المطبخ؟ ومكنتش واخدة بالي إن الفخ محضر من قبلهم.
فجأة، شدني أحمد بقوة من دراعي. قبل ما أفهم هو عامل إيه، جرني ناحية باب البلوط الثقيل اللي في آخر القاعة القبو.
قلت له أحمد، إيه اللي بتعمله؟
لكن مفيش رحمة، بس نظرة جليدية من زوجته نهى. وهي ماسكة الطفلة ليلى، أحمد دفشني بصدري. وقعت من السلم الخشب وكتفي ارتطم بالحائط، ووجعتني جدًا في ضهري.
قفلوا الباب على الزيرو، الضلمة استحوذت على المكان. سمعت صوت القفل وهو بيرن ابقوا هنا، يا شقيتين!
في الظلمة، صرخات ليلى كانت ماليه المكان. وانا بحاول أوصل لها، لقيت إيدي بتلمس الحاجات اللي كان محطوطهالي في شنطة تسوق من السوبر ماركت شوية علب حساء ومياه وحليب للبيبي.
ساعتها فهمت الحقيقة مش جريمة عاطفة، ده كله محسوب. ابني حطنا على قيد الحياة بالحد الأدنى من الأكل والشرب، وهو مستريح على الشاطئ في أمريكا
طلعت أيداي على الخشب وكنت بضرب بكل قوتي، لكن الفولاذ متزحزش. خبطت بمطرقة قديمة لزوجي اللي مات، لكن مفيش فايدة. كنت باخد نفس بصعوبة في القبو الرطب والعفن، وحسيت كأني مدفونة.
بس بطريقة معجزة، أنا وحفيدتي ليلى عشنا 14 يوم في القبو
حكايات شروق خالد
في الظلمة، وأنا بحاول أوصل لليلى، همست ليها
يا حبيبتي ماتخافيش، ماما الكبيرة هنا، وفاء هنا.
ليلى كانت بترتعش، وصوتها الهزار طفولي لكنها خايفة
تيتا أنا عايزة أمي أنا جعانة أنا بردانة.
همست ليها وأنا بحاول أهدّيها
مفيش مشكلة يا قلبي هنديكي شوية حليب. شوفتي الشنطة اللي جنبك؟ فيها كل اللي نحتاجه إحنا هنعرف نعدّي اليوم ده سوا.
سمعت صوت الباب برا بعيد، صوت خطوات أحمد ونهى، وقلبي بدأ يدق بسرعة. قلت لنفسي
لازم نهدّي، لو عملنا أي حركة كبيرة هيتأكدوا إننا حاولنا نخرج
ليلى شدّت يدي وقالت
تيتا عايزة ألعب شوية.
ابتسمت رغم كل الرعب اللي حوالينا، وقلت لها
تمام يا أميرة هنعمل لعبة هنعد الأيام لحد ما نطلع كل يوم هنعملها لعبة صغيرة.
ثم همست لنفسي وأنا بحاول أخطط
لازم ألاقي حاجة نقدر نفتّح بيها القفل أي حاجة حتى المطرقة القديمة اللي جنب الحيط لو قدرت أطلعها، ممكن ننجو.
حكايات شروق خالد
بعد ما هدّيت ليلى شوية، قعدنا جنب بعض على الأرض الرطبة. كنت بحاول أفتكر كل حاجة عن القبو الباب، القفل، المكان اللي ممكن ألاقى حاجة تساعدني.
همست ليلى
تيتا أنا خايفة.
قلت لها ما تخافيش يا قلبي وفاء هنا وإحنا أذكى من أي حاجة.
بعد شوية، خطرتلي فكرة. كنت فاكرة المطرقة القديمة اللي كانت جنب الحيط. لو قدرت أشيلها من مكانها، ممكن أحاول أكسر القفل أو على الأقل أعمل شرخ نقدر نخرج منه.
حركت رجلي بحذر لحد ما لمست المطرقة، وقلت
أمسكت بالمطرقة، وبدأت أضرب على القفل قطعة قطعة. كل ضربة كانت بتدوّي في القبو، وليلى ماسكة إيدي ومغمضة عينيها.
همست لها شوفي يا قلبي احنا جامدين كل ضربة أقرب لحرّيتنا.
بعد ساعات من المحاولات، ظهر أول شرخ صغير في القفل. كان ضيق، لكن كفاية إننا نحاول نزود الفتحة ونشوف لو نقدر نحرك الباب شوية.
ليلى صرخت تيتا أنا شايفة النور!
ابتسمت ليها رغم التعب، وقلت ده صح دي بداية الهروب نفضل هاديين ونكمّل شغلنا.
بدأنا نحفر في الشرخ أكتر، كل ضربة بحذر، وبنستنى أي صوت يهدى. في الليل، لما سمعنا أصوات أحمد ونهى برا، قعدنا ساكتين، مستنيين اللحظة المناسبة
وبالنهار، لما الشمس دخلت من شباك صغير أعلى القبو، قدرت أشوف مكان نقدر نفتحه أكتر. جمعت كل قوتي وقلت لنفسي
دلوقتي أو أبداً!
دفشت الباب بكل قوتي، وشرخ القفل اتوسع. لحظة الحقيقة قربت، وليلى ماسكة إيدي ومغمضة عينيها. قلبي كان بيدق بسرعة، لكن كنت متأكدة إحنا هنهرب، إحنا عايشين
حكايات شروق خالد
دفشت الباب بكل قوتي، وشرخ القفل اتوسع. ليلى ماسكة إيدي ومغمضة عينيها، وأنا همسيت لها
استني يا قلبي دلوقتي هنعرف نخرج.
حركت الباب شوية بشوية، لحد ما صداه اتفتح فجأة. الضوء دخل القبو كلّه، والشمس كانت بتنور وشنا. خدت نفس عميق وقلت
يلا يا أميرة اطلعي ورايا.
طلعنا واحد ورا التاني، رجلي بتتهز من التعب والخوف، لكن حسيت إننا أخيرًا على قيد الحياة.
ولما خرجنا، لقينا أحمد ونهى واقفين
أنا بصيتله بنظرة جامدة وقلت له
أنتوا نسيتوا إننا أمهات وجدات إحنا أذكى من أي خطة صغيرة زي دي!
نهى حاولت تقوله حاجة، لكن أنا متوقفة قدامهم بكل حزم
خلي بالك لو فكرتم تعملوا أي حاجة تاني أنا مش هتوقف عند القبو.
ليلى كانت ماسكة إيدي، وبصت لأحمد ونهى وقالت بصوتها الصغير
ماما الكبيرة قالت إحنا مش خايفين!
أحمد ونهى وقفوا صامتين، واضح عليهم الصدمة والخوف. أنا وأملي في حماية ليلى كفاية عرفنا إننا خرجنا من كابوس 14 يوم أخيرًا، والحرية لنا.
بعد ما خرجنا من القبو، حسيت لأول مرة من أيام كتير بالهواء في صدري والشمس على وجهي كانت أحلى من أي نور شفته قبل كده. ليلى كانت ماسكة إيدي ومبتسمة رغم التعب والخوف اللي عاشتوه.
رجعنا للبيت، بس البيت مكانش هو نفس المكان. أحمد ونهى اختفوا من حياتنا، وفهمت إن مش كل الناس اللي بنحبهم بيستاهلوا ثقتنا.
بدأت أرتب حياتي من جديد، مع ليلى، واحدة واحدة. كل يوم كان تحدي، لكن كنا أقوى الصبر اللي خدناه في القبو خلانا نقدر نواجه أي حاجة.
وأنا بقيت أعرف إن مش بس القسوة اللي بتكسر الإنسان لكن الصبر والإرادة هما اللي بيخلونا نعيش، ونحمي اللي بنحبهم. ليلى بقيت مصدر قوتي، وكل ضحكة منها كانت بتداوي جراحي.
وبالرغم من كل اللي حصل، عرفت حاجة مهمة الحرية مش بس الخروج من مكان مظلم الحرية إنك تعرف إنك تحمي نفسك ومن تحب، وإنك مش هتسمح لحد يكسر روحك تاني.
حكايات
وفاء وليلى ١٤ يوم في القبو حكايات شروق خالد