خلف الزجاج البارد لشروق خالد

لمحة نيوز

كانت رائحة الموت تفوح من المكان، ممزوجة ببرودة الأجهزة الطبية التي لا ترحم. خلف الزجاج الشفاف، كانت أمي ترتعش، أنفاسها تخرج بصعوبة بالغة وكأنها تسحب الروح من جسدها في كل مرة. كنت أقف هناك، يداي ملتصقتان بالزجاج، أحاول الصراخ، أحاول كسر هذا العائق لأصل إليها، لأقبل يدها للمرة الأخيرة، لكن جسدي كان مشلولاً بفعل القيد الذي وضعه حول عنقي.
خلفي تماماً، كان "عادل" يقف ببرود لم أعهد له مثيلاً. لم تكن دموعي تحركه، ولم يكن مشهد احتضار أمي يعني له شيئاً. كان يمسك بهاتفه، يضحك بصوت خافت مع تلك المرأة التي سرقت منه كل ذرة مروءة. رأيتها تقف بجانبه، تضع يدها على كتفه بتبجح، وتنظر إليّ بنظرة انتصار خلف قناع من الشفقة المزيفة.
"أرجوك يا عادل.. خليني أدخل، الدكتور قال دي ساعاتها الأخيرة!" توسلت إليه بصوت مبحوح، لكنه أحكم قبضته على ذراعي ومنعني من التحرك. قال لي بنبرة تقطر سماً: "خليكي هنا اتفرجي، مش كنتي عايزة تشيلي همها؟ شوفيها وهي بتخلص، ومفيش دخول إلا لما أقرر أنا."
في تلك اللحظة، تعالت ضحكاتهم خلفي، ضحكات كانت تنهش في قلبي أكثر من خبر الموت نفسه. كان يضمها إليه بجفاء، وكأن موتي البطيء وأنا أشاهد رحيل أغلى ما أملك هو العرض الذي يستمتعون به. نظرت إلى أمي، رأيت عينيها تذبلان، كانت تبحث عني، كانت تريد لمسة أخيرة، لكن الزجاج وقسوة الرجل الذي اخترته يوماً ما حالا بيننا.
فجأة، تحول صوت جهاز ضربات القلب إلى صفير طويل مستمر. توقفت الحركة خلف الزجاج. سكن كل شيء. في تلك اللحظة، شعرت ببرودة تسري في عروقي، انقطع الخيط الأخير الذي

كان يربطني بالحياة، وبالخوف منه. التفتُّ إليهما، لم أعد أرى عادلاً الزوج، ولا تلك المرأة كعدوّة، رأيت حثالة لا تستحق حتى دموعي. مسحت وجهي، ونظرت في عينيه بقوة جعلته يصمت فجأة. رحلت أمي، ومعها رحلت المرأة الضعيفة التي كان يكسرها، ليولد من رحم هذا الوجع كائن آخر لا يعرف الانكسار.
 كما توقف نبض الجهاز، توقف مع قلبي كل شعور بالخوف تجاهه. التفتُّ إليه وهما لا يزالان يتبادلان تلك الابتسامات اللئيمة، وكأن جثة أمي التي بردت خلف الزجاج هي نصر جديد لهما. اقتربت منه بخطوات ثابتة، لم يرتجف لي جفن، ولم تسقط مني دمعة واحدة أخرى؛ فقد جفت منابع الحزن وحلت مكانها نيران لا تنطفئ.
نظر إليّ بسخرية وقال: "خلاص؟ ارتحتي؟ أهي ماتت وسابتلك الحمل تقيل."
لم أجبه بكلمة، بل صفعتُه بكل القهر الذي كتمته سنوات، بكل صرخة خنقتها في صدري وأنا أرى أمي تذبل. ساد الصمت للحظة، صمتٌ كان أقوى من عويل المستشفيات. نظرت إلى تلك المرأة التي كانت تختبئ خلف ظهره، وقلت لها بصوت هادئ كهدوء الموت: "خده.. اشبعي بيه، هو لايق عليكي، غدر بيا في أكتر لحظة كنت محتاجة فيها سند، بكرة يدور الزمن ويغدر بيكي وأنتي في عز وجعك."
تركتهم يتخبطون في ذهولهم، ومشيت نحو غرفة أمي. دخلتُ إليها، قبلتُ جبينها البارد، وهمست في أذنها: "دلوقتي بس يا أمي بقيت حرة.. الموت اللي خدك مني، هو نفسه اللي أحياني وكسر القيد اللي كان حابسني." خرجت من المستشفى ولم أنظر خلفي أبداً، فبعض النهايات ليست إلا بدايات قاسية لحياة لا تقبل الانكسار.

ومع مرور السنوات، دارت الساقية كما تدور دائماً.

"عادل" الذي ظن أن الحياة ستضحك له مع عشيقته، وجد نفسه وحيداً في مواجهة المرض والفقر؛ فتلك المرأة التي اختارها على حساب وجع زوجته، كانت أول من تخلت عنه حين جفت أمواله، وتركه الجميع كما ترك هو "مريم" وأمها في لحظة الاحتضار.
أما مريم، فقد بنت من حطام قلبها امرأة قوية، لم تعد تخشى الفقد لأنها فقدت أغلى ما تملك في أقسى الظروف. كانت تمشي في الشوارع مرفوعة الرأس، ليس لأنها نسيت، بل لأنها انتصرت لنفسها وكرامتها، وأيقنت أن العدل الإلهي قد يمهل الظالمين، لكنه أبداً لا يترك دمعة مظلوم تذهب سدى.

مرت السنوات، وفي يوم بارد يشبه ذلك اليوم الذي رحلت فيه أمي، كنتُ أسير في ردهات أحد المشافي العامة، ليس لزيارة مريض، بل كوني أصبحتُ مسؤولة عن جمعية خيرية ترعى النساء المعنفات والمكلومات.
لمحتُ من بعيد رجلاً يجلس على كرسي متحرك في زاوية مهملة، ثيابه رثة، ووجهه ذابل تملؤه تجاعيد الندم والمرض. اقتربتُ بدافع الفضول الإنساني، لتتوقف أنفاسي للحظة. كان هو.. "عادل".
لم تكن بجانبه تلك المرأة، ولا أي أحد. كان وحيداً تماماً، يحدق في الفراغ بعينين كسيرتين. حين رآني، تعثرت الكلمات في حلقه، وحاول أن ينطق اسمي، لكن صوته كان مخنوقاً بالخزي.
"مريم.." همس بها ودمعة وحيدة سقطت على يده المرتجفة.
نظرتُ إليه، لم أشعر بالشماتة، بل شعرت بشفقة عميقة على إنسان باع جنته مقابل ضحكة زائفة. لم تكن بجانبه "عشيقته" التي ضحكت يوماً على وجع أمي، بل تركته في أول محنة واجهها، تماماً كما فعل هو معي.
قلتُ له بهدوء وثبات: "الزمن دوّار يا عادل. اليوم أنت في نفس

المكان اللي وقفتني فيه وأنا مكسورة. الفرق الوحيد إن قلبي لسه حي، وقلبك مات من زمان."
تركتُ له بعض المال كصدقة، ليس حباً فيه، بل لأنني أصبحتُ أسمى من أن أنتقم بطريقته. خرجتُ إلى ضوء الشمس، تنفستُ بعمق، وشعرتُ بروح أمي تبتسم لي من بعيد. لقد أغلقتُ الدائرة، وانتهت الحكاية بانتصار الحق، وبقيتُ أنا.. مريم التي لا تكسرها العواصف

لم ينتهِ المشهد عند ذلك الحد، فالحياة دائماً ما تحتفظ بفصل أخير للعدالة. بينما كنت أسير مبتعدة عنه، سمعت صوته المرتجف يناديني مرة أخرى، وكأنه غريق يتشبث بقشة: "مريم.. سامحيني.. هي سابتني أول ما الفلوس خلصت.. هي اللي وزتني عليكي!"
التفتُّ إليه بابتسامة باردة، ابتسامة لا تحمل غضباً ولا عتاباً، بل تحمل "العدم". قلت له: "المشكلة مش فيها يا عادل، المشكلة كانت فيك أنت. هي كانت مجرد مراية لوساختك من جوه. هي مشيت لأنها زيك، والطيور على أشكالها تقع."
تركتُه هناك، يصارع ندمه ووحدته في ممرات المستشفى الباردة، نفس الممرات التي شهدت ضحكاته الظالمة يوماً ما. خرجتُ إلى باحة المستشفى، حيث كانت الشمس تشرق بقوة، وكأنها تغسل بقايا ذكراه من روحي.
ركبتُ سيارتي، ونظرتُ إلى صورة أمي المعلقة بقلبي قبل أن تكون في حقيبتي، وهمستُ لها: "نامي مرتاحة يا أمي.. حقك وحقي رجع، مش بالانتقام، لكن بالوقت اللي خلاه يدوق من نفس الكاس اللي سقاهولنا.. مُرّ الوحدة وعجز المرض."
مضيتُ في طريقي، أبحث عن مستقبل لا يشبه ماضيّ، مستقبل أصنعه بيدي، امرأة حرة، قوية، لا يكسرها رجل، ولا تذلها حاجة. انتهت الحكاية، وبقيت أنا الحقيقة الوحيدة

في عالم كان كله زيفاً.ة

تم نسخ الرابط