قـصة جـبر القلـوب كـاملة بقلـم منـي السـيد

لمحة نيوز

بنت علبة اللبن.. وجبر الخواطر الذي لا ينتهي
الجزء الأول صړخة في السوبر ماركت
مدير السوبر ماركت مبلغ عن طفلة.
الجملة دي فضلت تتردد في ودن الضابط حسن لسنين طويلة. الضابط حسن في خدمته اللي بقالها عشرين سنة شاف بلاغات كتير من أول المشاجرات الكبيرة لحد السرقات الضخمة لكنه عمره ما اتخيل إن بلاغ بسيط زي ده هيكون البداية لقصة مش هينساها العمر كله.
يوم الخميس الساعة 4 العصر في حي شعبي هادي البلاغ كان يبان تافه.. من النوع اللي بيخلص في كلمتين والورق بتاعه بيتركن في الدرج.
السوبر ماركت كان ريحته ميكس بين المعجنات الطازة والمنظفات. الزباين بيتحركوا في الممرات بهدوء أهالي شايلين هم طلبات البيت وشباب واقفين قدام ركن المسليات. في الأول محدش خد باله من البنت الصغيرة.
كان اسمها مريم.. عندها 8 سنين.
كانت نحيفة بزيادة ملامحها باهتة ولابسة سويت شيرت واسع عليها ومبهدل شوية رغم حرارة الجو متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات وكأنها بتحاول تستخبى جواه. عينيها كان فيها نظرة تقيلة أوي نظرة مش بتاعة طفلة في سنها.
مريم فضلت واقفة قدام ثلاجة اللبن كأنها بټصارع وحش. كانت بتبص لعلبة لبن عادية وشفايفها بتتحرك وهي بتعد الفكة اللي في إيديها.. فتحت كف إيدها الصغير بريزتين وشوية فكة.. حوالي 75 قرش.
وعلبة اللبن تمنها 15 جنيه.
على بعد خطوات كان فيه راجل واقف بيدعي إنه بيقرأ تاريخ الصلاحية لكن عينيه مكنتش بتفارق البنت. الراجل ده هو الحاج عاصم السلحدار.. رجل أعمال وقور ملامحه هادية وشايل في قلبه حزن دفين ملوش علاقة بالفلوس.


مريم لفت راسها يمين وشمال بتوتر.. وبحركة مهزوزة ومكشوفة من كتر الخۏف حطت علبة اللبن تحت هدومها. مجمتش مضحكتش.. متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات هي بس مشيت ناحية الباب بخطوات تقيلة كأنها ماشية لمصير مجهول.
استني عندك! رايحة فين
الصړخة دي هزت المكان كله.
مدحت مدير الفرع ھجم عليها ووشه أحمر. مسكها من كتفها بقسۏة خلت علبة اللبن تقع على الأرض وتعمل صوت خبطة مكتومة.
أنا.. أنا آسفة مريم همست وهي باصة للأرض إخواتي الصغيرين مأكلوش وعايزين يشربوا لبن.
مدحت رد بقلب حجر وأنا مالي السړقة سړقة.
الحاج عاصم إيده اتشدت على السلة اللي شايلها وخد خطوة لقدام.. بس سكت. الخبرة علمته إن التدخل في لحظة الڠضب ممكن يعقد الأمور. مريم قالت بصوت مخڼوق والله كنت هدفع تمنها بكرة لما ماما تاخد يوميتها.. والله ما كنت هسرقها.
مدحت ضحك بسخرية طبعا.. ما هو ده كلامكم كلكم. والټفت للكاشير وزعق اطلب البوليس فورا!
الجزء الثاني في غرفة الأمن
الأوضة كانت ضيقة وتحت إضاءة فلورسنت قوية وباهتة. مريم كانت قاعدة على كرسي بلاستيك رجليها مش طايلة الأرض وبتتهز پخوف. مدحت كان واقف وربع إيده وكأنه قبض على مچرم دولي.
إنتي عارفة ده معناه إيه مدحت قال بلهجة قاسېة ده معناه محضر وأهلك ييجوا يشوفوا تربيتهم.
مريم جسمها اتنفض لما جاب سيرة أهلها ماما بتشتغل ورديتين كانت نايمة دلوقتي ومحبتش أصحيها.
وأبوكي فين مدحت سأل ببرود.
مريم سكتت.. ونزلت راسها أكتر.
هنا دخل الحاج عاصم الأوضة بكل هدوء وقال البنت عندها 8 سنين.. اهدى شوية يا أستاذ مدحت.
مدحت
رد بغرور دي سياسة المكان يا حاج مفيش تهاون.
الحاج عاصم رد عليه بكلمة واحدة دي علبة لبن.. مش شاشة تليفزيون.
خبطة على الباب قطعت كلامهم ودخل الضابط حسن. بص للمشهد وأخد نفس طويل إيه الحكاية
مدحت شرح اللي حصل وهو فخور بنفسه. الضابط حسن نزل لمستوى مريم وسألها ليه يا بنتي مطلبتيش مساعدة من حد
مريم ردت بكسرة قلب آخر مرة طلبت مساعدة.. الشخص زعق لي وطردني.
الكلمة دي وقعت زي الصاعقة على كل الموجودين.
الحاج عاصم وطي جنبها وسألها مين مستنيكي في البيت يا مريم
قالت بوشوشة إخواتي.. يوسف عنده 5 سنين وياسين عنده 3 سنين.. وياسين بيعيط أوي لما بيجوع.
الضابط حسن وقف وبص للمدير بصرامة الموضوع ده محتاج تدخل اجتماعي مش محضر وسجن.
مدحت لسه هيفتح بقه الحاج عاصم قاطعهمتوفرة على صفحة روايات و اقتباسات أنا هدفع تمن اللبن.. وتمن أي حاجة تانية هي محتاجاها.. وزيادة.
مدحت برطم مش ده الموضوع..
الحاج عاصم بصه في عينه بقوة لا.. هو ده بالظبط الموضوع.
بعد ساعة الضابط حسن راح مع الحاج عاصم لبيت
مريم..
بيت قديم في حارة ضيقة ريحة الرطوبة فيه مالية المكان. لما فتحوا الثلاجة ملقوش فيها غير إزازة مية وشوية دقيق وبقايا رغيف عيش ناشف.
الأم ليلى صحيت مخضۏضة وفضلت تعتذر وهي مكسوفة ودموعها نازلة. ليلى كانت بتطحن نفسها في الشغل عشان تدفع الإيجار والأكل دايما بييجي في الآخر.
الحاج عاصم سمع القصة وخرج برة البيت.. وعمل تلات مكالمات تليفون.
الجزء الثالث جبر الخواطر
تاني يوم الصبح عربية نقل وقفت قدام بيت ليلى محملة بخيرات ربنا.
وعلى الضهر
جت باحثة اجتماعية.. مش عشان تاخد الولاد لكن عشان تخلص ليهم معاش شهري وتأمين صحي.
وعلى المغرب ليلى جالها تليفون بموعد مقابلة لشغل في مستشفى كبيرة بمرتب محترم.. شغل كان متدبر من مؤسسة السلحدار الخيرية.
ليلى عمرها ما عرفت حجم ثروة الحاج عاصم ولا عرفت إن اسمه له وزن تقيل في البلد متوفرة على صفحة روايات و اقتباسات هي بس عرفت إن فيه راجل ابن حلال شاف ولادها وحس بيهم.
بعد أسبوع الحاج عاصم رجع لنفس السوبر ماركت.
مدحت كان واقف عند الكاشير وبص له بضيق جاي تشتكي تاني
الحاج عاصم ابتسم بهدوء لا.. جاي أشكرك.
مدحت استغرب تشكرني على إيه
الحاج عاصم قاله لولا إنك بلغت البوليس مكنتش الأسرة دي شافت النور وكانوا هيفضلوا مخفيين عن عيوننا. وسكت لحظة وكمل بس افتكر دايما.. القوانين بتحمي البيزنس لكن الرحمة هي اللي بتحمي البشر.
مدحت مردش.. ووشه جاب ألوان.
برة في العربية مريم كانت قاعدة مع الضابط حسن وجايبة معاها رسومات ملونة عشان تهديها للضابط اللي كان حنين معاها. مريم كان شكلها أحسن وإخواتها كانوا بيلعبوا وضحكتهم مالية المكان.
الحاج عاصم كان واقف بعيد حاطط إيده في جيبه وبيتفرج عليهم بابتسامة صافية. هو جه يشتري طلبات لبيته لكنه خرج وهو مغير مستقبل كامل.. ومصلح حاجة كانت مکسورة جواه هو شخصيا.
مريم شافته وجريت عليه حضنته وقالت ماما بتقول إنك ملاك بعته ربنا!
الحاج عاصم طبطب عليها وقال لا يا مريم.. أنا بس واحد جرب في يوم يعني إيه الجوع.. ومنسيتهوش.
وفي اللحظة دي مريم مكنتش حاسة إنها صغيرة.. كانت حاسة إن العالم
لسه فيه مكان واسع ليها ولإخواتها.
النهاية بقلمي مني السيد

تم نسخ الرابط