​جردل المية والتلج حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

الجردل خبط في الأرض برنة عالية ومكتومة.
المية المتوسخة بالتلج كانت بتجرى من شعر "فادية"، غرقت فستانها الفاتح، وبتنزل من على كتافها وإيديها وهي حاضنة بطنها اللي في الشهر السابع عشان تحميها.
محدش اتلمض من مكانه.
لا طليقها "رامي السيوفي".
ولا خطيبته الجديدة "كارما"، اللي كانت قاعدة بتتبسم جنبه طول السهرة.
وبالأخص بقى طنط "إجلال"، أم رامي اللي غرقانة في العقد اللولي بتاعها، واللي كانت واقفة فوق راس فادية وعلى وشها نظرة تشفي بتاعة ست فاكرة إن قلة الأصل والافترا هما الشياكة والبرستيج.
إجلال قالت ببرود: "أهو.. عشان بعد كده تفتكري مقامك كويس وما تتعدهوش".
السفرة الكبيرة في فيلا عيلة السيوفي كانت ريحتها أكل غالي، ونبيذ مستورد، وحقارة قديمة. فادية مكنتش هتيجي أصلاً لولا إن رامي كلمها وقالها إنه عايز يقعد معاها قعدة كبار ويتفقوا على ابنهم اللي جاي في السكة.
لكن بدل ما يتفقوا، ساب أمه تتهمها إنها مخلفة الواد ده تمن عشان تقش بيه ثروة العيلة.
وساب كارما تسند على كتفه وتهمس: "فيه ستات بتتلخبط وفاكرة إن الحمل هو ورقة الميراث".
ولما إجلال رفعت جردل المسح ودلقته كله فوقيها، كل اللي رامي عمله إنه رجع كرسيه لورا وقال بنفخة: "ماما.. خلاص بقى، مش كده".
مقالش أنتِ كويسة؟
مقالش الواد حجراله حاجة؟
هو بس اتململ عشان المنظر ميبقاش بايخ قدام عينيه.
فادية حطت إيدها وهي بترتعش على بطنها. ابنها رفس رفسة جامدة تحت كف إيدها، كأنه بيفكرها إنها مبقتش بتحمي

نفسها لوحدها خلاص.
مدت إيدها في شنطتها وطلعت تليفونها اللي غرقان مية.
رامي ضحك بمرارة وتريقة: "هتكلمي مين؟ محامي غلبان من بتوع الفري لانس؟ ولا هتفضحينا في الصحافة؟"
فادية مكلّمتوش ولا ردت عليه.
هي بس دست صباعها على رقم مسجل عندها.
وقالت بصوت واطي وهادي أول ما الخط فتح: "أستاذ عاصم.. شغل بروتوكول رقم 7.. حالاً".
الأوضة كلها اتقلبت في ثانية.
الضحكة طارت من على وش كارما.
وطنط إإجلال ثبتت في مكانها.
رامي تComplexف وقال: "بروتوكول إيه وزفت إيه؟ فادية، بلاش شغل التمثيل ده والعيشة في دور إن ليكي كلمة هنا".
مفيش تلاتين ثانية، وكل التليفونات اللي كانت محطوطة على السفرة بدأت تتهز وتزن مع بعض في وقت واحد.
رامي فتح الإيميل بتاعه أول واحد.
الدم هرب من وشه كله واللون خطفه قبل ما يخلص قراية أول سطرين.
صلاحياته التنفيذية كلها اتجمدت. حساباته، فيز الشركات، الطيران الخاص، السواقين، حراسة الفيلا، وكروت الدخول، وحتى الإمضاءات المالية.. كله وقف وبقى "ملغي" من اللحظة دي.
كارما شهقت لما نفس الرسالة ظهرت على شاشة تليفونها.
طنط إجلال خطفت التليفون من إيد رامي وبقت بتبص على سطر واحد مكتوب، كأن حد إداها قلم على وشها:
"بناءً على أمر المالك الأكبر للأغلبية: مجموعة ف. ع للاستثمار".
رامي رفع عينه بالراحة وبص لطليقته اللي واقفة ومبلولة، وحامل في السابع.
صوته طلع بالعافية: "أنتِ عملتي إيه؟"
فادية مسحت المية من على شاشة تليفونها بمنديل قماش من على السفرة:
"
حميت اللي بتاعي وبتاع ابني".
باب السفرة الكبير اتفتح.
دخل اتنين من رجال الأمن بتوع الشركة الكبيرة، ومعاهم ست ماسكة تابلت في إيدها.
قالت بكل برود مهني: "استاذ رامي، مدام إجلال، آنسة كارما.. إحنا هنا عشان نستلم كل الأجهزة والممتلكات التابعة للشركة".
رامي خبط بإيده على السفرة وزعق: "دي فيلتي وبيتي!".
الست متهزتش ولا رمشت:
"الفيلا دي عهدة ومسجلة باسم الشركة يا فندم".
لأول مرة في الليلة دي، فادية شافت الرعب الخالص في عينيهم.
ورامي لسه مكنش عرف النص المصيبة التاني اللي مستنيه.

حكايات شروق خالد

رامي فضل باصص للست بتاعة الأمن وهو مش مستوعب، وجسمه كله بيترعش من الغضب والذهول. طنط إجلال بدأت تصرخ وصوتها يلوق في الصالة:
— شركة إيه وزفت إيه اللي تاخد بيتي؟ أنا إجلال السيوفي! أنتم اتجننتم؟ ارموا الستات دي بره!
الست مسؤولة الأمن مبصتلهاش أصلاً، وبصت في التابلت وقالت برسمية:
— المجموعة الاستثمارية اللي فادية هانم بتمثلها، اشترت ٥١٪ من أسهم "مجموعة السيوفي للإنشاءات" من البورصة الأسبوع اللي فات بعد الأزمة المالية الأخيرة اللي رامي بيه خبّاها عنكم. ومن ساعتين بالظبط، اتنقلت الإدارة الفعلية لفادية هانم. يعني ببساطة.. فادية هانم هي صاحبة الشغل، وصاحبة الفيلا، وصاحبة العربيات اللي واقفة بره.
كارما أول ما سمعت كلمة "إفلاس" و"حجز"، سحبت شنطتها بالراحة وبدأت تتسحب ناحية الباب، بس فادية بصت لها وقالت بنبرة حادة:
— على فين يا كوكو؟ سيبي التليفون

والملابس والشبكة اللي في إيدك.. كل ده مدفوع من فيزا الشركة اللي اتجمدت من دقيقة.
كارما رمت الحاجة على السفرة وبصت لرامي باحتقار:
— أنت طلعت لَبَش ومحيلتكش حاجة؟ وأنا اللي كنت فاكرة نفسي هبقى هانم!
وجريت بره الفيلا من غير ما تلتفت وراها.
رامي قعد على الكرسي كأنه كبر عشرين سنة في لحظة، وبص لفادية وهو منهار تماماً:
— ليه يا فادية؟ أنا عملتلك إيه لكل ده؟ إحنا كسرنا وفضّينا الموضوع بالود!
فادية قربت منه، والمية لسه بتنقط من فستانها، بس عينيها كانت بتطلع شرار:
— بالود؟ أنت طلقتني ورميتني في الشارع وأنا حامل في الشهر الثالث عشان تتجوز الست هانم دي، وسبت أمك تذلني وتاخد شقتي وشقايا، والنهاردة جايبني هنا عشان تدلقوا عليا مية مسح وتعايروني بابني؟
التفتت لإجلال اللي كانت واقفة مرعوبة ودموعها نازلة على عقد اللولي بتاعها:
— المية اللي اتدلقت عليا دي يا طنط.. تمنها الفيلا دي، وعزكم، واسمكم في السوق. أنا من النهاردة هخليكم تلفوا على المحاكم عشان تلاقوا لقمة تأكلوها.
بصت لرجال الأمن وقالت لهم:
— ارموهم بره.. ومش عايزة أشوف وشهم هنا بكره الصبح. الهدوم اللي عليهم بس هي اللي تطلع معاهم.
فادية لفت ضهرها ومشت بكل ثقة وكبرياء، وسابت رامي وأمه في الصالة وهم بيصرخوا وبيتخانقوا مع الأمن اللي بيطلعهم على الرصيف في ضلمة الليل.
وهي خارجة، حطت إيدها على بطنها، وحست برفسة هادية من ابنها، وابتسمت وقالت في سرها: "حقك رجعلك يا قلب أمك قبل ما تشرف الدنيا..
ومفيش مخلوق هيعرف يكسرنا تاني".


​جردل المية والتلج

حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط