ردّ الاعتبار حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

«الوفد الأوروبي خلص شغل بدري»، همست بالكلمة دي وأنا بنزل على ركبي على أرض صالة المطار الساقعة. شيلت خصلة شعر مبلولة من على قورة "ياسين" حافيدي وهو نايم. كان شبه ابني المرحوم "شريف" لدرجة إن صدري اتوجع وكأن الجرح انفتح من جديد. بصيت لـ "مريم" تاني وقلت لها: «إيه اللي حصل؟ إيه اللي مقعدك في صالة المطار ومعاكي كل كراكيبك وحاجتك في الدنيا دي؟»
مريم بلعت ريقها بصعوبة، وصوابع إيدها كانت بيضا وزي الحجر وهي كبشا في إيدها على ظرف عليه الختم البارز بتاع عيلة "العادلي".
قالت وصوتها بيرتعش زي وتر مشدود: «أختك.. "بهيرة". دخلت عليا الفيلا الصبحية مع الفجر، ومكنتش لوحدها، جابت معاها اتنين من رجال الأمن بتوع الشركة. صحيت لقيتهم مجهزين شنطي وكل حاجة تخصني».
سمعت صوت صفارة في ودني من كتر الغضب. رجال أمن؟
كملت مريم وهي مخنوقة بالدموع: «رمت في وشي الظرف ده». فتحت الظرف لقيت تذكرة طيران ذهاب بس، درجة اقتصادية، لبلد بعيدة. «قالتلي إن بعد ما شريف مات، صلتنا بالعيلة اقطعت. وقالت إني بقيت حمل عمال يتبغدد على سمعة العيلة، وقالت.. إن ياسين هيبقى أحسن له لو اتربى مع مدرسين خصوصيين تبع برامج العيلة، من غير ما يدوق أسلوب بيئتي اللي هيطلع عيل فاشل».
حسيت بدمي اتجمد في عروقي من كتر الغل. بهيرة تتجرأ وتستغل موت ابني عشان تطرد مراته الأرملة اللي لسه بتعيط عليه وتخطف حافيدي مني؟
قمت وقفت بالراحة. كل التعب المهدود في جسمي طار، وبقى بداله هدوء مرعب وأدرينالين شغال في عروقي. مسكت الشنط المبهدلة دي وبصيت في عين مريم المليانة دموع.
وقلت لها بصوت هادي وزي حد السكين: «شيلي الواد يا مريم.. إحنا مش مسافرين في حتة».
همست برعب وهي بتبصلي: «يا عمي "رأفت".. أنت ناوي تعمل إيه؟»
طلعت موبايلي من جيب البالطو وطلبت رقم سري مبيتصلش بيه غير في الكوارث والمصايب الكبيرة في الشغل. وقلت لها: «اركبي العربية.. جه الوقت اللي أختي العزيزة تفهم فيه مين اللي في إيده القوة والكلمة الأولى والأخيرة في العيلة دي».
الخط فتح من أول رنة. مقلتش ألو، دخلت في الموضوع على طول وأديت الأمر اللي هيهد المعبد كله فوق دماغ بهيرة.

حكايات شروق خالد

«جهزيلي اجتماع طارئ لمجلس الإدارة كمان ساعة.. وتلغي كل الصلاحيات المالية والتنفيذية بتاعة بهيرة العادلي فوراً».
قفلت السكة من غير ما أستنى رد. بصيت لمريم اللي كانت واقفة مذهولة، وشاورة لها على العربية. طول الطريق للشركة، مكنتش بتكلم، كنت باصص للطريق وعقلي بيرتب الخطوة اللي

هنهي بيها الغرور اللي عاشت فيه أختي على حِساب شقايا وشقا ابني الله يرحمه.
وصلنا مقر الشركة.. أكبر برج في المعادي. دخلت ومريم شايسة ياسين ورايا، والموظفين والأمن كانوا بيوسعوا لنا ويبصوا في الأرض من هيبة الموقف. أول ما فتحت باب قاعة الاجتماعات، لقيت بهيرة قاعدة على رأس السفرة، وماسكة قزازة المية وبتتكلم بثقة، وأول ما شافتني وشها اتقلب.
وقفت وقالت بغطرسة: «رأفت؟ أنت إيه اللي جابك من السفر بدري؟ وإيه اللي جاب شحاتة المطار دي هنا؟»
قعدت على الكرسي المقابل ليها بكل هدوء، ومريم وقفت جنبي وهي ضامة ياسين لصدقها. بصيت لبهيرة وقلت لها: «أنا اللي أسألك.. بأي حق تدخلي بيت ابني وتطردي مراته وحافيدي؟»
ضحكت بهيرة باستهزاء: «ابنك مات يا رأفت، والبت دي ملهاش مكان وسطنا، مش هسيب عيلة جاية من حارة تاخد ورث شريف وتتحكم في اسم العادلي».
طلعت المحفظة بتاعتي، ورميت الكارنيه البلاستيك بتاعها على السفرة وقلت: «اسم العادلي ده أنا اللي عملته بدمي.. وأنتِ مجرد موظفة بتاخدي مرتب من خيري».
وفجأة، باب القاعة اتفتح ودخل المستشار القانوني للشركة، وحط ملف قدام بهيرة. بصت للورق وعينها بدأت تطلع لبرة من الصدمة.
الظابط شاورلها على البنود وقال: «أستاذ رأفت ألغى توكيل الإدارة، وسحب منك الشقة الكبيرة اللي في الزمالك والعربية بصفته المالك الأوحد لمجموعة الشركات.. وأنتِ من اللحظة دي مالكيش أي علاقة بمؤسسة العادلي».
بهيرة وقفت تصرخ: «أنت بتطرد أختك عشان دي؟ بتضيعني عشان حتة عيلة؟»
وقفت وقربت منها ولأول مرة صوتي عليّ وهز الحيطان: «أنا بطرد اللي داس على لحمي! مرقة شريف وحافيدي هما العيلة، وأنتِ من النهارده غريبة عن البيت ده.. لمي حاجتك واطلعي برة شركتي».
أمن الشركة دخلوا وسحبوها وهي بتلطم وتصرخ وتبصلي بنظرات غل ورعب بعد ما كل القوة والفلوس طاروا من إيدها في ثانية.

--
بصيت لمريم، لقيت دموعها بتنزل بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. حافيدي ياسين فتح عينه وفركها وصحى، شيلته في حضني وبسته، وقلت لمريم: «البيت بيتك يا بنتي.. وطول ما أنا فيا نفس، مفيش مخلوق يقدر يمس شعرة منكم».
حكايات شروق خالد

مرت سنتين على اليوم ده، والدنيا اتغيرت تماماً.
بهيرة بعد ما اتمسح بيها الأرض واتطردت من الشركة، مابقتش قادرة تبص في وش حد من معارفها القدام. الشقة اللي في الزمالك اتسحبت منها وقعدت في شقة إيجار صغيرة على قدها، والفلوس اللي كانت معاها خلصت على المظاهر والمحاكم بعد ما حاولت ترفع قضايا كتير عشان تطالب

بـ "حقها المزيف" في الورث، بس كل القضايا اترفضت لأن كل حاجة كانت متقيدة باسمي وباسم شريف الله يرحمه قانونياً.
أما في شركتي، فالكرسي اللي بهيرة كانت قاعدة عليه وبتتحكم منه في خلق الله، بقى له صاحبة جديدة.
مريم اتعلمت، ونزلت معايا الشركة من الصفر. مكنتش عاوزاها تدير من وراء مكاتب وهي مش فاهمة؛ دخلت في الحسابات، وفهمت السوق، وبقت هي دراعي اليمين والمسؤولة الأولى عن فرع الاستيراد والتصدير. العمال والموظفين بقوا يحبوها ويحترموها لأنها جاية من وسطهم، وعارفة يعني إيه شقا، ومبتتعالاش على حد.
النهارده يوم ميلاد ياسين الثامن.
القاعة الكبيرة في فيلا المعادي كانت مليانة ضحك وألوان، وزمايل ياسين في المدرسة كلهم معاه وبيجروا حوالين تورتة كبيرة مرسوم عليها طيارة.
كنت قاعد على كرسي هزاز في الجنينة، ببص عليه وهو بيضحك من قلبه، ولأول مرة من يوم ما شريف مات، أحس إن روحه طايرة حوالينا ومبسوطة. مريم قربت مني، كانت لابس فستان أسود شيك وبسيط، وفي إيدها كاس عصير. قعدت على طرف الكرسي جنبي وحطت إيدها على كتفي:
«كل سنة وأنت طيب يا عمي.. ويخليك لينا يارب».
بصيت لها وابتسمت: «أنتِ اللي طيبة يا مريم.. وأنا اللي بشكرك إنك حافظتي على حتة من ريحة شريف، وكنتِ قد المسؤولية».
قالت وعينها مدمعة من الفرحة: «أنا عمري ما هنسى وقفتك معايا في المطار، ولا هنسى اليوم اللي رجعتلي فيه كرامتي وكرامة ابني».
مسكت إيدها وقلت لها: «الكرامة مابتتردش يا بنتي، الكرامة بتبقى جوه البني أدم.. وأنتِ كنتِ غالية، وبهيرة كانت فاكرة إن الفلوس هي اللي بتعمل القيمة، بس أهي أخدت الدرس.. وعرفت إن اللي ملوش خير في أهله، ملوش خير في الدنيا كلها».
ياسين جِري علينا وساب صحابه، رماه نفسه في حضني وهو بيضحك: «جدو رأفت! يلا عشان تقطع معايا التورتة!»
قمت وأنا ساند على إيده الصغيرة، وإيد مريم في إيدي التانية.. ومشينا وسط النور والضحك، وإحنا عارفين إن العيلة مش بالاسم ولا بالمنظرة، العيلة هي اللي بتحميك وقت الضعف، وبتسندك لما الدنيا كلها تيجي عليك.

حكايات شروق خالد

ياسين قطع التورتة وسط لِمّة صحابه وزمايله، وكل اللي في المكان كانوا بيصفقوا ويهتفوا باسمه.
في وسط الزحمة دي، لقيت مدير أمن الفيلا بيميل عليا وبيوشوشني في ودني: «يا رأفت بيه.. في ست واقفة برة على الباب بقالها ساعة، شكلها تعبان أوي وطالبة تقابلك أنت أو مدام مريم لدقيقة واحدة.. الأمن مكنش راضي يدخلها بس هي صممت وقالت قولوله "بهيرة"».
نبضات قلبي متهزتش.

بصيت لمريم، لقيتها لقطت نظرة مدير الأمن ليا وعرفت في إيه. هزيت راسي وقلت له: «خليها تدخل الجنينة اللي ورا.. ومحدش من الضيوف يحس بحاجة».
استأذنت من الناس، وتمشيت أنا ومريم لحد الجنينة الخلفية الفاضية.
كانت واقفة وساندة على سور الشجر.. مابقتش بهيرة بتاعة زمان؛ الوش اللي كان مليان كبرياء وغرور بقى دبلان، والهدوم الشيك اتبدلت بهدوم بسيطة أوي وبان عليها القدم، حتى صبغة شعرها كانت رايحة وبان الشيب الأبيض في راسها. أول ما شافتني، خطت خطوة لورا وخفضت عينها في الأرض.
قالت بصوت واطي ومكسور: «إزيك يا رأفت.. كل سنة و ابن شريف طيب».
وقفت ومربّع إيدي وقلت ببرود: «إيه اللي جابك هنا يا بهيرة؟»
دمعة نزلت على خدها، وبصت لمريم وقالت: «أنا جية أعتذر.. بقالي سنتين عايشة في ضيق ميعلمش بيه إلا ربنا، وكل لقمة ببلعها بتبقى حنظل في زوري لما بفتكر إني كنت عاوزة أرمي بنت الناس دي وابن أخويا في الشارع. الدنيا دارت عليا يا رأفت، وأنا طمعانة في رضاك.. ومش عاوزة نموت وأنت غضبان عليا».
مريم كانت واقفة تبص لها. مكنش في عين مريم شماتة، كان في عينها نظرة شفقة.. النظرة اللي مبيعرفهاش غير الست الأصيلة اللي شافت الشقا وميرضهاش كسر الخواطر.
مريم خطت خطوة لقدام، وبصت لبهيرة وقالت لها: «أنا مسمحاكي يا طنط بهيرة من كل قلبي.. ومفيش في قلبي غل من ناحيتك، لأن اليوم اللي أنتِ طردتيني فيه، كان السبب إن عمي رأفت يخليني أقف على رجلي وأبقى صاحبة عمل وشغل.. الوجع هو اللي بيصنع البني أدم».
بهيرة بكت بحرقة ومسكت إيد مريم تبوسها، بس مريم سحبت إيدها بسرعة وأخدتها في حضنها.
بصيت لأختي، ورغم كل اللي عملته، حسيت إن ذنبها اتمحى لما شفتها مكسورة بالمنظر ده قدام الست اللي كانت بتقول عليها "شحاتة".
قلت لها وصوتي هدي شوية: «تقدري ترجعي تقعدي في شقة الزمالك يا بهيرة.. والشركة هتحولك معاش شهري محترم تعيشي منه معززة مكرمة، بس رجلك مت عتبش الشركة تاني.. والوصاية والكلمة هنا لمريم وياسين لآخر العمر».
بهيرة هزت راسها بالموافقة وهي بتشكرنا والدموع مغرقة وشها. مشيت وسابتنا، وأنا أخدت مريم في حضني وبست راسها وقلت لها: «أنتِ كبرتي في نظري أوي يا مريم.. وأثبتِ فعلاً إنك ست بمليون راجل، وإن شريف الله يرحمه أحسن الاختيار».
رجعنا للحفلة تاني وإيدنا في إيد بعض، وياسين جِري علينا وأخدنا وسط صحابه.. وعرفت إن القوة الحقيقية مش في إنك تدوس على اللي أذاك، القوة الحقيقية في إنك تعفُ عند المقدرة، وتعيش وأنت رافع راسك ومطمن
إن حقك جالك لِحد عندك وبزيادة.

**ردّ الاعتبار**


حكايات شروق خالد

تم نسخ الرابط