من ضلمة الجراج إلى نور الحقيقة” حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

بنتي ما ردّتش عليّا أسبوع كامل فركبت عربيتي وروحتلها.
جوزها قاللي بكل برود إنها مسافرة.
كنت هصدقه لحد ما سمعت صوت مكتوم جاي من الجراج المقفول.
لفّيت من ورا البيت، وجربت باب جانبي والصوت اللي طالع من جوه الأوضة الإسمنت الضلمة دي ما خوفنيش بس
كسرني كأم كسر عمري ما هنساها.
الصوت ما كانش صرخة
كان أسوأ.
أنين مكسور، محبوس الصوت اللي الأم بتحسه في عضمها قبل ما تسمعه بودانها.
سبع أيام.
سبع أيام وبنتي إيميلي ما ردّتش.
لا رسايل. لا مكالمات. حتى صور القهوة بتاعتها اللي كانت بتبعتها كل يوم اختفت.
ولا حتى بحبك يا ماما اللي كانت بتكتبها نص الليل لما الأرق يغلبها.
سقت أربع ساعات تحت المطر لحد ما وصلت البيت الأبيض الصغير اللي كانت عايشة فيه مع جوزها مارك.
فتح الباب
وهو بيبتسم.
بسرعة زيادة عن اللزوم.
قال كلير ياااه مفاجأة.
قلت له وأنا باصاله في عينه فين بنتي؟
ابتسامته اتهزت مسافرة.
مسافرة فين؟
رحلة كده للاسترخاء إنتي عارفة إيميلي، دايمًا أوفر شوية.
بصّيتله بسكات.
مارك كان دايمًا بيقول عليها أوفر لما تعيط حساسة لما تختلف معاه ومخبوصة لما تمسكه بيكدب.
كان لابس اللطف زي البرفان غالي وسام.
قلت ما قالتليش.
قال ببرود كانت محتاجة تبعد عن الكل.
وقتها أخته فانيسا ظهرت وراه
حافية ولابسة الكارديجان الأزرق بتاع إيميلي.
بتاع بنتي.
بصّيت للكارديجان وبعدين لوشها.
قلت لها بهدوء اقلعيه.
ضحكت نعم؟
مارك قرّب وقال بصوت واطي إنتي تعبانة روحي بيتك قبل ما تحرجي نفسك.
آه النبرة دي.
نبرة الرجالة اللي فاكرين إن الست الكبيرة في السن بقت ضعيفة.
سمعتها كتير في المحاكم على مدار ٣١ سنة من ناس شكلهم نضيف بس إيديهم وسخة.
قلت بثبات عايزة أشوف إيميلي.
قال بحدة مينفعش. هي مشيت وقالتلي ما أقولش لحد فين.
قلت وريني الرسالة.
قال مسحتها.
قلت طبيعي.
وشه اتغير اطلعي بره بيتي.
رجعت خطوة لورا كأني أم مهزومة.
وفانيسا كانت مبتسمة.
لفّيت عشان أمشي
وساعتها سمعته.
أنين مكتوم.
جاي

من الجراج المقفول.
إيدي اتجمدت على باب العربية.
وش مارك اتبدل في لحظة
خوف وبعده غضب.
قال بسرعة مواسير قديمة.
هزّيت راسي
وركبت العربية ومشيت.
لكن عند أول ناصية، وقفت تحت عمود نور مطفي وطفيت النور
وفتحت برنامج التسجيل في موبايلي.
لأن مارك نسي حاجة واحدة
لأن مارك نسي حاجة واحدة
إني مش بس أم.
أنا محامية جنائي بقالي ٣١ سنة وعمري ما سبت إحساسي الأول يعدّي من غير ما أمشي وراه.
قعدت في العربية، قلبي بيدق بطريقة وجعاني بس إيدي كانت ثابتة.
سجلت كل حاجة.
صوت الباب وهو بيتقفل خطوات وصوت مارك وهو بيهمس بعصبية هي سمعت حاجة؟
فانيسا ردت واضح إنها شكت.
سكت لحظة وبعدين قال لازم نخلّص الليلة دي.
دمّي ساق.
نخلّص إيه؟
وساعتها الصوت رجع تاني.
أنين أضعف.
بس أوضح.
ومن غير ما أفكر نزلت من العربية.
رجعت ورا البيت خطواتي خفيفة رغم إن رجلي كانت بتترعش.
باب الجراج الجانبي كان مقفول بس مش بإحكام.
دفعتُه
وفتح.
ريحة رطوبة تقيلة ضربت في وشي ومعاها حاجة تانية
ريحة خوف.
دخلت.
الضلمة كانت تقيلة بس بصيص نور صغير داخل من شباك عالي.
ومعاه
سمعت صوتها.
م ماما
رجلي ما شالتنيش.
إيميلي؟!
جريت لجوه
ولما عيني اتعودت على الضلمة
شوفتها.
مربوطة في كرسي.
إيديها متخدّرة وشها أصفر وشفايفها ناشفة
وعينيها
كانت بتستغيث.
صرخت يا نهار أسود!
جريت عليها، بفك الحبال بإيدي اللي كانت بتترعش.
أنا هنا يا حبيبتي أنا هنا
قالت بصوت مكسور كانوا عايزين يخلّوني أوقّع
توقّعي على إيه؟!
تنازل عن كل حاجة الفلوس البيت
باب الجراج خبط فجأة ورايا.
صوت مارك كنت عارف.
لفّيت ببطء
واقف عند الباب ومعاه فانيسا.
وفي إيده مفتاح.
وقال ببرود كان ممكن تمشي بهدوء دلوقتي الموضوع بقى أعقد.
قمت وقفت قدامه
قلبي بيولّع، بس صوتي طالع ثابت
أعقد عليك إنت.
ابتسم بسخرية إنتي لوحدك.
رفعت موبايلي
وشغّلت التسجيل.
صوته وهو بيقول لازم نخلّص الليلة دي ملّى المكان.
ابتسامته اختفت.
كملت والبوليس في الطريق والموقع متبعت.

فانيسا اتوترت مارك
هو حاول يضحك بتهزري.
قلت بهدوء جرّب.
ثواني
وبعدين سمعناها.
صوت سرينة بعيد بس بيقرب.
وشه شحب.
خطوة لورا
وبعدين جري.
فانيسا جريت وراه.
وقعت على الأرض جنب بنتي حضنتها بكل قوتي.
كانت خفيفة أضعف من أي وقت شفتها فيه.
لكن عايشة.
وهو ده اللي كان فارق.
بعدها بدقايق
البوليس كسر الباب.
وكل حاجة اتغيّرت.
بعد شهور
إيميلي كانت قاعدة جنبي في البلكونة بتشرب قهوتها تاني.
إيدها لسه فيها أثر
بس عينيها رجعت.
بصتلي وقالت بهدوء إنتي حسّيتي بيا، صح؟
ابتسمت، ومسكت إيدها.
الأم عمرها ما بتغلط.
وساعتها بس
سمحت لنفسي أعيط.
حكايات شروق خالد
بس الحكاية ما خلصتش عند كده
لأن اللي عملوه ما كانش مجرد حبس.
كان مخطط.
في أول جلسة تحقيق، إيميلي حكت كل حاجة وهي بتترعش
قالت إن مارك بدأ يتغيّر من شهور.
ضغط تحكم أسئلة عن حساباتها عن أملاكها.
وبعدين فجأة
جاب ورق.
إمضي بس هنا يا إيميلي إجراءات بسيطة.
لكنها رفضت.
ومن يومها الكابوس بدأ.
حبسها في الجراج قطع عنها الموبايل وكل يوم نفس الجملة
إمضي ونخلص.
وفانيسا؟
ما كانتش مجرد أخت.
كانت شريكة.
هي اللي كانت بتقنعها وهي اللي كانت بتراقبها
وهي اللي لبست هدومها كأنها بتستعد تاخد مكانها.
في المحكمة
مارك حاول ينكر.
ابتسم واتكلم بهدوء وقال زوجتي كانت مريضة نفسيًا حبست نفسها.
نفس الأسلوب القذر.
لكن المرة دي
كان قصاده واحدة عارفة لعبته.
أنا.
وقفت قدام القاضي وشغّلت التسجيل.
صوته وهو بيقول لازم نخلّص الليلة دي.
الصمت نزل القاعة.
وشه اتكسر قدام الكل.
وفانيسا بدأت تعيط.
وبدأت تتكلم
وكل كلمة منها كانت بتدفنهم أكتر.
الحكم جه بعد أسابيع.
السجن.
سنين طويلة
مش كفاية على اللي عملوه، بس بداية عدل.
بعد سنة
إيميلي وقفت قدام المراية بتلبس كارديجان أزرق جديد.
مش القديم.
القديم اتحرق.
قالتلي أنا بقيت أخاف من الأصوات الهادية
قلت لها الخوف مش ضعف الخوف إنذار.
بصتلي وسألت ولو ما كنتيش جيتي؟
سكت لحظة
وبعدين قلت الحقيقة
كنت هاجي برضه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع بس فيها حياة.
دلوقتي
كل ما التليفون يرن بالليل
وأشوف اسمها
قلبي لسه بيتوتر.
بس لما أسمع صوتها بحبك يا ماما
بعرف إن الكابوس خلص.
وإن في حاجات
مهما اتكسرت
بترجع.
بس أقوى.
بس الحقيقة الأهم إن النهاية دي ما كانتش نهاية واحدة.
كانت بداية تانية.
بعد سنتين
إيميلي قررت تعمل حاجة أنا ما توقعتهاش.
قدّمت على شغل في مركز لدعم النساء اللي اتعرّضوا للعنف.
أول يوم ليها هناك إيديها كانت بتترعش.
نفس الرعشة اللي شوفتها في الجراج.
لكن المرة دي
ما كانتش خوف.
كانت قوة بتحاول تطلع.
رجعت البيت وقالتلي ماما في واحدة هناك صوتها كان زيي بالظبط.
بصّتلها وسكت.
قالت وهي بتبلع ريقها بس أنا عرفت أسمعها.
بعد شهور
بقت هي اللي بتهدي البنات.
هي اللي بتقولهم إنتي مش لوحدك.
وكل مرة كانت بتقول الجملة دي
كنت أنا اللي بحس إنها بتتقال ليا أنا كمان.
وفي يوم
وصلنا جواب.
من السجن.
اسم المرسل مارك.
إيدي شدت على الورقة بس إيميلي قالت سيبيني أنا.
فتحته
وقرأت بصوت هادي.
كان بيطلب السماح.
بيتكلم عن الندم عن إنه اتغير
كلام طويل محفوظ.
لما خلصت
قطّعت الجواب.
بهدوء.
وقالت في حاجات ما ينفعش تتسامح.
بصتلها
ولأول مرة حسيت
إنها ما بقتش محتاجة حمايتي.
في ليلة هادية
قعدنا في البلكونة زي زمان.
القهوة بينا
والهوا ساكن.
قالتلي فجأة فاكرة اليوم ده؟
قلت عمري ما هنسي.
قالت أنا كنت فاكرة إني هموت بس اللي كان مكسّرني أكتر
سكتت.
إني كنت فاكرة محدش هيجي.
مسكت إيدها جامد.
وأنا عمري ما كنت هتأخر.
بصتلي
وعينيها لمعت.
عارفة أكتر حاجة خوفتني مش الألم كان الصوت اللي خرج مني الصوت الضعيف ده.
قلت لها بهدوء الصوت ده هو اللي أنقذك.
دلوقتي
كل مرة نسمع صوت باب بيخبط أو صوت حاجة مكتومة
بنبص لبعض.
لحظة صمت.
وبعدين
نبتسم.
مش لأننا نسينا
لكن لأننا عدّينا.
وفي قلبي
في حاجة واحدة ثابتة
إن في أصوات
محدش بيسمعها غير الأم.
ولو سمعتها
الدنيا كلها لازم تقف
لحد
ما توصل لولادها.
بس في حاجة واحدة فضلت مستخبية حتى بعد كل ده.
في يوم عادي جدًا
كنت بنضف درج قديم في أوضة إيميلي.
لقيت موبايلها القديم.
اللي مارك قال إنه ضاع.
كان مطفي بس لما شحنته وفتح
قلبي وقع.
آخر تسجيل صوتي.
قبل ما تختفي بيوم.
ضغطت تشغيل
وصوتها طلع واطي، مهزوز
ماما
تم نسخ الرابط