وحش الساحة،شروق خالد

لمحة نيوز

الوشاح القديم السر اللي روّض الوحش
محدش في مولد السيد البدوي كان يتوقع إن الصرخة المرة دي تيجي من وسط الناس.. الكل كان مستنيها تيجي من التور الهايج اللي في الساحة.
الساحة كانت مقلوبة، المزامير والطبول واصلة لآخر الدنيا، والمنادي في الميكروفون بيشجع الناس والضحك مالي المدرجات الخشب، والعيال بتجري هنا وهناك.
وفجأة.. طفل صغير نط من فوق السور الحديد.
نزل على التراب وقام بسرعة، وعفرة الرمل غطت جسمه الصغير.
لثانية واحدة، المولد كله كتم نفسه.. المزيكا وقفت، والضحك اتحول لذهول.
يا نهار مش فايت! حد يلحق الواد! المنادي صرخ في الميكروفون وصوته اتهز وهو بيبص من فوق منصته.
الواد زق نفسه وقام، كان صغير قوي، لابس سترة جينز قديمة فوق هودي رمادي، وشه كان غرقان دموع وتراب في نفس الوقت.
على الناحية التانية من الساحة، التور الأسود الضخم لف جسمه ببطء.
عضلاته كانت بتتحرك تحت جلده زي الموج، وحوافره كانت بتخبط في الأرض بعنف، كأنه بيدي إنذار أخير قبل ما يدوس على الأخضر واليابس.
ست من اللي قاعدين غطت وشها وصوتت، وراجل واقف على السور صرخ أنت بتعمل إيه يا ابني! أهلك فين؟!
بس الواد مهربش..
وده اللي مكنش حد فاهمه. كان المفروض

يرجع للسور، يصرخ، يستغيث.. أو حتى يتجمد من الرعب.
لكن الواد مد إيده جوه السترة بتاعته وبأصابع بترتعش طلع منديل قماش أحمر قديم.
منديل باهت، الشمس أكلت لونه، ومنسول من الأطراف.
وفي ركن المنديل، كان فيه حروف مطرزة بالإيد.. حروف اسم قديم.
رفع المنديل قدام التور بإيديه الاتنين، كأنه ماسك أغلى حاجة في عمره.
أبويا قالي إنك هتعرف المنديل ده، قالها بصوت بيتهدج، لدرجة إن الهوا كان بيخطف الكلمات منه.
الناس سكتت تماماً.
حتى المنادي نزل الميكروفون من على بقه ومبقاش ينطق.
التور وطى راسه.. مش عشان يهجم.. لكن عشان يشوف.
عفرة التراب بدأت تهدى والتور بدأ يتحرك ناحية الواد.. حركة بطيئة، تقيلة، وترعب أي حد.
شفايف الواد كانت بتترعش، كتافه كانت بتتهز من كتر العياط المكتوم، بس فضل رافع المنديل لفوق.
قالي إنك استنيته كتير، همس الواد وهو بيشهق.
التور كان بيقرب أكتر وأكتر.
المدرجات كلها وقفت على رجليها، والمنادي وشه بقى أبيض زي الورق، ومسك في السور لدرجة إن عروق إيده برزت.
الواد مابقاش قادر يمسك نفسه، والدموع كانت بتجري على وشه وهو بيبص في عيون الوحش
أبوس إيدك.. قالي إنك صاحبه.. ما تسبنيش أنا كمان زيه.
وفجأة.. التور هجم!

المولد كله صرخ صرخة واحدة زلزلت المكان.
التراب طار في السما والوحش جري زي الرعد ناحية الطفل.
وبعدين.. وفي مشهد مستحيل.. التور وقف على بعد سم من صدر الواد.
قرنه الكبير كاد يلمس هدوم الطفل.
المنديل الأحمر كان بيرفرف بينهم.
نفس الواد انقطع.. وعين التور السوداء الكبيرة كانت بتبص في عينيه بتركيز غريب.
عنتر..؟ همس الواد باسم التور.
التور نزل راسه ببطء ناحية المنديل وبدأ يشمه بهدوء.
فوق في المنصة، المنادي اللي لابس البدلة الزرقاء مال فجأة لقدام، وبص بتركيز على الحروف المطرزة في طرف المنديل اللي شافها قبل كده من سنين.
ملامحه اتغيرت تماماً.. مابقاش خايف.. بقى مذهول من المعرفة.
يا خبر ابيض.. ده الاسم ده همس لنفسه.
وبعدين مسك الميكروفون وبأيد بتترعش صرخ في المولد كله
استنوا! المنديل ده.. والاسم ده.. مستحيل!
الجزء 
المنادي صوته اتنبح وهو بيصرخ وقفوا أي حركة! المنديل ده عليه حروف ص. ش.. ده منديل صابر الشهاوي!
الناس في المولد بدأت تتوشوش، والمنادي نزل جري من المنصة ودخل الساحة وهو مش مصدق. التور عنتر اللي كان مبهدل الدنيا، كان واقف دلوقتي زي الحمل الوديع، حاطط راسه في كتف الواد الصغير وبيطلع صوت أنين
واطي، كأنه بيعيط على صاحبه القديم.
المنادي وصل عند الواد وقاله بصوت مخنوق أنت ابن صابر؟ صابر الشهاوي اللي كان بيلاعب التور ده وهو لسه عجل صغير؟
الواد هز راسه وهو بيمسح دموعه أيوة.. أنا ابنه زين. أبويا قبل ما يموت الشهر اللي فات، اداني المنديل ده وقالي يا زين، التور ده ربيته على إيدي، ده صاحب عمري اللي غدروا بيا وخدوه مني في المزاد.. روح له، هو الوحيد اللي هيحس بوجعك بعدي.
المنادي بص للناس اللي كانت واقفة مذهولة وقالهم صابر الشهاوي اتظلم يا ناس.. التور ده مكنش هايج عشان شرير، ده كان بيدور على ريحة صاحبه اللي رباه. والنهاردة، صاحبه
بعت له حتة منه.
المنادي قلع طاقيته وحط فيها مبلغ من جيبه وبص لكبارات البلد اللي واقفين التور ده مش هيتباع في مزاد تاني، ولا حد هيلمسه بشر. التور ده ملك للواد ده، وصية أبوه لازم تتنفذ.
الناس بدأت تطلع فلوس وتلم لزين، والتور عنتر مشي ورا زين بهدوء وهو حاطط راسه على كتفه، وسط زغاريد الستات وهتاف الرجالة اللي اتقلب من خوف لملحمة حب.
النهاية
زين خد عنتر ورجع بيه لبيتهم القديم، وعنتر مابقاش وحش الساحة، بقى هو الحارس الأمين للطفل اللي فكره بريحة صاحبه الغالي. وعرف الكل إن الحيوان
بيصون العيش والملح، أكتر من بني آدمين كتير.

تم نسخ الرابط