ثمن الغدر: القلم الأخير شروق خالد
الميراث المسموم لما يكون ابنك هو الجلاد
بدل ما أديهم مرتب الشهور ده زي كل مرة، روحت دفعت تمن عملية في المستشفى.. وده كان كفاية جداً بالنسبة ل شيرين، مرات ابني، إنها تحبسني وتمد إيديها عليا وتجوعني، وابني واقف بيتفرج ولا كأن في حاجة بتحصل! أنتي مالكيش لازمة طالما مابتجيبيش فلوس!.. ده اللي كانت بتصرخ بيه في وشي وأنا مرمية على الأرض، جسمي بيترعش من الوجع والغدر. بس هما ميعرفوش إن الوجع ده هو اللي خلاني أقرر أغير الوصية.. واللي هيحصل بعد كده هيشرد العيلة دي كلها.
في سني ده، تمنية وستين سنة، إيدي عبارة عن خريطة من العروق الزرقا والورم.. إيد ست بتقضي 8 ساعات في اليوم بترص علب السمنة والصلصة التقيلة في سوبر ماركت كبير. أنا مش بشتغل عشان الرفاهية، أنا بشتغل عشان البيت اللي برجع له كل ليلة بيشفط دمي ومصاريفه مابتخلصش.
دخلت المطبخ اللي كله أجهزة حديثة، لقيت ابني هاني قاعد ماسك الموبايل وواضح إن ملوش دعوة بحاجة. وشيرين دخلت ورمت كومات من فواتير الفيزا على التربيزة قدامي.
المصاريف دي لازم تدفع يوم الخميس يا حماتي.. شيكي يكون محطوط في البنك قبل الضهر، شيرين قالتها وعينيها باردة زي التلج.
هاني حتى مارفعش عينه من الموبايل يا ماما، شيرين عايزة تشترك في النادي الشهر ده، ومحتاجين قرشين زيادة من شغلانة بليل بتاعتك.
رديت بصوت واطي يا ابني أنا ليا مصاريف.. دوا الضغط وسماعة ودني اللي باظت.
شيرين قربت مني وعينيها بقت ضيقة وشريرة
يوم الجمعة الصبح، صوت شيرين مكنش زعيق، كان فحيح زي التعبان ورا باب أوضتي الفلوس فين يا ست أنتي؟
الإشعار بتاع البنك وصل لموبايلها وعرف إن مفيش فلوس دخلت. قعدت على طرف السرير ورديت بكل هدوء الست أم محمد جارتي كانت محتاجة عملية قلب مفتوح ضروري وملهاش حد.. دفعت لها مصاريف المستشفى بالفلوس دي.
وش شيرين جاب ألوان من الغل، وفي لحظة كانت قدامي. القلم كان قوي لدرجة إن نظارتي طارت على الأرض، وعدسة منها اتكسرت.. ودني صفرت ومبقتش سامعة حاجة.
أنتي فاكرة إنك ممكن توزعي فلوسنا على واحدة بتموت؟ صرخت وهي بتشدني من لياقة الجاكت بتاعي لفوق.
وبكل قوتها زقتني لورا، وقعت على الأرض وجع فظيع سمع في ضهري لدرجة إني مكنتش قادرة أخد نفسي.
فضلت مرمية على الأرض، وشيرين كملت زعيق وخرجت رزعت الباب، وهاني حتى منطقش ولا حاول يسندني، كأنه مستخسر فيا كلمة سلامتك يا أمي. بالليل، لما الدنيا هديت والوجع سكن شوية في عضمي، قمت سحبت نفسي لغاية السرير. مكنتش ببكي، الدموع نشفت في عيني وبقى مكانها نار.
تاني يوم الصبح، استنيت لما نزلوا هما الاتنين، وكلمت المحامي عادل، صاحب عمري أنا والمرحوم جوزي. جالي البيت وهو مذهول من شكل عيني الورمانة ونظارتي المكسورة. قعدت معاه وحكيت له كل حاجة، وقلت له الجملة اللي غيرت كل حاجة يا أستاذ عادل، الغي الوصية القديمة.
عادل بص لي بشفقة طيب ولمين يا حاجّة مارجريت؟
قلت له بقلب ميت كل مليم هيروح لجمعية رعاية المسنين الغلابة.. والبيت ده يتباع في المزاد العلني أول ما أموت، وهاني ومراته مالهومش فيه ولا شبر.
رجعت الشغل وأنا حاسة بسلام غريب، كأني شايلة قنبلة موقوتة وهما فاكرينها شنطة فلوس. Brenda كانت لسه بتتعامل معايا كأني الخادمة اللي بتجيب المصاريف، وهاني كان عايش في وهم إن البيت ده ملكه للأبد.
مر أسبوع، وفي ليلة شيرين دخلت الأوضة وبتقول بغرور ها، جهزي مرتب الشهر ده عشان اشتريت طقم ألماظ بالتقسيط.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة هادية خلتها تترعب اشتري اللي أنتي عايزاه يا شيرين.. بس ياريت تبدأي تدوري على شقة إيجار من دلوقتي، عشان البيت ده مابقاش ملك حد فيكم.
شيرين ضحكت باستهزاء أنتي كبرتي وخرفتي ولا إيه؟
طلعت لها صورة من الوصية الجديدة المسجلة، وقلت لها ده الرد على القلم اللي أدتهولي.. أنا بعت نصيبي في البيت للجمعية، وهما ليهم الحق يطردوكم في أي وقت.
الضحكة اختفت من وشها، وهاني
دخل وهو بيترعش لما عرف إن بنك الفلوس قفل، وإن السقف اللي فوق راسهم مابقاش بتاعهم. شيرين بدأت تصوت وتتوسل، وهاني وقع تحت رجلي يبكي، بس أنا كنت خلاص.. قلبي اللي اتكسر مابيتصلحش بكلمتين. سبتهم في صدمتهم وخرجت، لأول مرة وأنا حاسة إني حرة، ومابقتش الجدار اللي هما سانيدن عليه وهما ب ينهشوا في لحمي.
خرجت من البيت والشنطة في إيدي، وسبت ورايا بركان من الغضب والندم. هاني كان بيجري ورايا في الشارع وهو بيصرخ يا أمي إحنا ولادك، هترمينا في الشارع عشان خاطر ناس غريبة؟، بصيت له بنظرة أخيرة كانت مليانة وجع وقلت له أنا مرميتكمش يا هاني، أنتم اللي هدمتم السقف اللي كان حاميكم لما هدمتم كرامتي.. روح لمراته اللي كنت بتسكت لها وأهي دلوقت هتوريك وشها الحقيقي لما الفلوس راحت.
وفعلاً، مكملش شهر وكان المحامي عادل بيبشرني إن الجمعية استلمت البيت، وبدأوا إجراءات إخلاء السكان. شيرين أول ما عرفت إن هاني مابقاش الوارث لثروة أمه، ومابقاش عنده غير ديون الفيزا اللي هي غرقت فيها، طلبت الطلاق وخدت هدومها وسابته يواجه مصيره لوحده.
أما أنا، فروحت عشت في شقة صغيرة هادية قريبة من شغلي، بس المرة دي كنت بشتغل لنفسي، بدفع دوايا وأجيب أكلي بكرامتي. الست أم محمد جارتي اللي دفعت لها تمن العملية، بقت هي عيلتي الحقيقية، بنقعد كل يوم نشرب الشاي سوا، ولأول مرة من سنين، أنام وأنا مش خايفة من بكرة، ولا خايفة من حد يمد إيده عليا في بيتي.
هاني حاول يكلمني كتير، بس كنت خلاص، قفلت الباب ده للأبد. عرفت إن اللي يفرط في أمه عشان خاطر مظاهر كدابة وست مفترية، ميستحقش يرجع يشوف وشها تاني. الميراث اللي كنت هشيله له، بقى دلوقت بيأكل مئات المساكين، وده كان أحسن قلم علمته لابني، عشان يعرف إن الأم مش مجرد خزنة فلوس، الأم هي الستر، وهو اللي كشف ستره بإيده.
ثمن
شروق خالد