خرجت من بيتي… لقيت نفسي حكايات شروق خالد

لمحة نيوز

عرفت إن في حاجة اتغيرت… من أول ما دخلت البيت.

مش أول مرة أزوره.

ده بيتي… أو على الأقل كان.

لكن المرة دي…

كل حاجة كانت مرتبة زيادة عن اللزوم.

ريحتها غريبة.

ريحة معطر جديد مش متعودة عليه.

حتى صورتي…

اللي كانت دايمًا في الصالة…

اختفت.

وقفت لحظة أبص حواليا.

حسيت إني ضيفة…

مش أم.

هبة ظهرت من المطبخ، بابتسامة واسعة:

"نورتِ يا طنط."

طنط.

الكلمة نزلت عليا تقيلة.

عمري ما سمعتها منها كده.

كنت دايمًا "ماما".

لكن واضح إن الألقاب كمان… ليها عمر.

سألت بهدوء:

"أحمد فين؟"

قالت وهي بتعدل طرحتها:

"في الأوضة، بيكلم حد مهم."

قعدت على الكنبة.

نفس الكنبة اللي كنت بنام عليها وأنا مستنياه يرجع من دروسه زمان.

دلوقتي…

أنا قاعدة عليها بحذر.

كأني ممكن أتوسخها.

دخل أحمد بعد شوية.

بصلي بسرعة… ابتسامة سريعة… وخلاص.

"إزيك يا أمي؟"

من غير حضن.

من غير حتى ما يقرب.

قلت:

"الحمد لله يا حبيبي."

قعد قدامي… بس ما طولش.

كان واضح إنه مستعجل.

في كلام عايز يقوله…

بس بيدور على الطريقة.

هبة جابت الشاي.

حطته قدامي من غير ما تسألني بشربه إزاي.

سكره زيادة…

زي ما هي بتحبه.

مش أنا.

بس سكت.

أنا بقيت بسكت كتير.

قال فجأة:

"أمي… إحنا كنا عايزين نتكلم معاكي

في موضوع."

القلب دق مرة واحدة.

مش خوف…

إحساس.

الإحساس اللي بييجي قبل الحقيقة.

قلت:

"اتفضل يا ابني."

بص لهبة…

وهي هزت راسها.

كأنهم متفقين.

كأن الموضوع متكرر بينهم… وأنا آخر واحدة تعرف.

قال وهو بيبص في الأرض:

"الشقة بقت صغيرة علينا."

سكت شوية.

كمل:

"والأولاد كبروا… ومحتاجين أوضة زيادة."

فهمت.

قبل ما يكمل.

فهمت.

قلت بهدوء غريب حتى عليا:

"وأنا مالي بالكلام ده؟"

رفع عينه أخيرًا:

"إحنا فكرنا… إنك ممكن تروحي تقعدي عند خالتو شوية."

"شوية."

الكلمة اللي بتبدأ صغيرة…

وتفضل تكبر لحد ما تبقى دايمًا.

بصيت حواليّا تاني.

الصورة اللي اختفت…

الريحة الغريبة…

التعامل المختلف…

كل حاجة كانت بتمهد للحظة دي.

قلت:

"يعني عايزني أمشي؟"

هبة اتدخلت بسرعة:

"لا يا طنط… بس يعني… لحد ما نظبط الدنيا."

بصيت لها…

وبعدين له.

وقلت:

"طب قولي… الشقة دي اتجابت بفلوس مين؟"

سكت.

قلت تاني:

"والعفش؟"

برضه سكت.

"والسنين اللي تعبت فيها علشان توصل لهنا؟"

صوته خرج واطي:

"عارف يا أمي… بس الظروف—"

قاطعته بهدوء:

"الظروف عمرها ما بتنسّي الأصل يا أحمد."

سكتنا.

ثواني…

لكنها كانت تقيلة.

قمت من مكاني.

مش زعلانة…

ولا حتى مصدومة.

بس في حاجة جوايا اتقفلت.

قلت:

"خلاص يا ابني."

اتنهد براحة… كأنه كان خايف أرفض.

وده وجعني أكتر.

مشيت ناحية الباب…

وقبل ما أخرج، وقفت.

وبصيت له.

وقلت:

"أنا همشي… بس المرة دي مش علشان المكان ضاق."

سكت شوية…

وكملت:

"علشان القلوب هي اللي ضاقت."

وفتحت الباب…

ومشيت.

وسبته واقف مكانه…

أول مرة يحس إن البيت كبر عليه…

بعد ما أنا خرجت منه.

خرجت من الباب…

وما بصّتش ورايا.

مش لأني قوية…

بس لأني لو كنت بصّيت، يمكن كنت هرجع.

والرجوع المرة دي…

كان هيكسر اللي فاضل مني.

الشارع كان هادي.

نفس الشارع اللي كنت بمشي فيه وأنا ماسكة إيد أحمد وهو صغير.

كان بيجري قدامي…

ويقع…

وأقومه…

وأطبطب عليه.

دلوقتي…

أنا اللي بمشي لوحدي.

ومافيش حد يسألني حتى رايحة فين.

ركبت تاكسي.

السواق سألني:

"على فين يا حاجة؟"

سكت لحظة.

سؤال بسيط…

بس إجابته تقيلة.

قلت:

"على أي مكان فيه راحة."

بصلي في المراية… وما سألش تاني.

كأن ملامحي قالت كل حاجة.

روحت عند أختي.

استقبلتني بحضن طويل…

من غير أسئلة.

وده كان كفاية.

عدت أيام…

وبعدين أسابيع.

ولا مكالمة.

ولا حتى رسالة.

بس اللي وجعني بجد…

إني كنت مستنياه.

كل يوم.

أقول يمكن النهاردة يفتكر…

يمكن يسأل…

يمكن يقول "ارجعي".

بس الصمت…

كان

أطول من أي كلام.

وفي يوم…

رن الموبايل.

رقم أحمد.

القلب دق بسرعة غصب عني.

رديت فورًا:

"أيوه يا حبيبي؟"

صوته كان متوتر:

"أمي… إنتِ عاملة إيه؟"

ابتسمت رغم كل حاجة:

"بخير يا ابني."

سكت شوية…

وبعدين قال:

"أنا… أنا كنت عايز أقولك إن…"

صوته قطع.

كأنه مش عارف يقولها.

قلت بهدوء:

"قول يا أحمد."

اتنهد وقال:

"هبة سابت البيت."

سكت.

الكلمة وقعت تقيلة…

بس مش زي زمان.

سألته:

"ليه؟"

قال بصوت مكسور:

"مشاكل… كتير… وأنا… أنا اكتشفت إني خسرت كل حاجة."

سكت شوية…

وبعدين قال:

"خسرتك إنتِ كمان."

المرة دي…

أنا اللي سكت.

مش شماتة…

ولا قسوة.

بس الحقيقة…

إن الوجع لما بيطول…

بيغيرك.

قال بسرعة:

"ممكن ترجعي يا أمي؟"

السؤال اللي كنت مستنياه…

لأيام طويلة.

دلوقتي جه…

بس متأخر.

بصيت حواليّا.

أوضة بسيطة…

بس فيها راحتي.

فيها اسمي…

واحترامي.

قلت بهدوء:

"أنا كويسة هنا يا أحمد."

اتصدم:

"يعني إيه؟"

قلت:

"يعني المرة دي… أنا مش همشي من مكان مرتاحة فيه."

سكت.

حسيت بدموعه في صوته:

"طب… أعمل إيه؟"

أخدت نفس عميق…

وقلت:

"اتعلم يا ابني."

"اتعلم إن اللي يقف جنبك وقت ما تكون بتبني… مش سهل يتعوّض."

سكت شوية…

وكملت:

"ولو لسه في قلبك حتة

ليا… تعالى زورني."

قفلنا.

حطيت الموبايل جنبي…

وحسيت لأول مرة…

إني رجعت لنفسي.

مش كل اللي بنخسره…

بيبقى نهاية.

أوقات…

بيكون بداية لحياة أهدى…

وأصدق.

وفي يوم…

خبط على الباب.

فتحت…

لقيته واقف.

وشه مرهق…

بس عينه فيها نفس النظرة القديمة.

نظرة الطفل…

مش الراجل اللي نسي أمه.

قال بهدوء:

"وحشتيني يا أمي."

المرة دي…

ما سكتش.

حضنته.

بس جوا الحضن…

كنت فاهمة حاجة واحدة:

إن الحب ممكن يرجع…

بس الكرامة…

لازم تفضل في مكانها.

خرجت من بيتي… لقيت نفسي حكايات شروق خالد 

 

تم نسخ الرابط